محمد بن جرير الطبري
29
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
* ( وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون * اله خالق كل شئ وهو على كل شئ وكيل ) * . يقول تعالى ذكره : وينجي الله من جهنم وعذابها ، الذين اتقوه بأداء فرائضه ، واجتناب معاصيه في الدنيا ، بمفازتهم : يعني بفوزهم ، وهي مفعلة منه . وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل ، وإن خالفت ألفاظ بعضهم اللفظة التي قلناها في ذلك ذكر من قال ذلك : 23271 حدثني محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، في قوله : وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم قال : بفضائلهم . 23272 حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم قال : بأعمالهم ، قال : والآخرون يحملون أوزارهم يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون . واختلفت القراء في ذلك ، فقرأته عامة قراء المدينة ، وبعض قراء مكة والبصرة : بمفازتهم على التوحيد . وقرأته عامة قراء الكوفة : بمفازاتهم على الجماع . والصواب عندي من القول في ذلك أنهما قراءتان مستفيضتان ، قد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القراء فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب ، لاتفاق معنييهما والعرب توحد مثل ذلك أحيانا وتجمع بمعنى واحد ، فيقول أحدهم : سمعت صوت القوم ، وسمعت أصواتهم ، كما قال جل ثناؤه : إن أنكر الأصوات لصوت الحمير ، ولم يقل : أصوات الحمير ، ولو جاء ذلك كذلك كان صوابا . وقوله : لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون يقول تعالى ذكره : لا يمس المتقين من أذى جهنم شئ ، وهو السوء الذي أخبر جل ثناؤه أنه لن يمسهم ، ولا هم يحزنون يقول : ولا هم يحزنون على ما فاتهم من آراب الدنيا ، إذ صاروا إلى كرامة الله ونعيم الجنان . وقوله : الله خالق كل شئ وهو على كل شئ وكيل يقول تعالى ذكره : الله الذي له الألوهية من كل خلقه الذي لا تصلح العبادة إلا له ، خالق كل شئ ، لا ما لا يقدر على