محمد بن جرير الطبري
28
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
في جنب الله ، بلى قد جاءتك أيتها النفس آياتي ، فكذبت بها ، أجرى الكلام كله على النفس ، إذا كان ابتداء الكلام بها جرى ، والقراءة التي لا أستجيز خلافها ، ما جاءت به قراء الأمصار مجمعة عليه ، نقلا عن رسول الله ( ص ) ، وهو الفتح في جميع ذلك . القول في تأويل قوله تعالى : * ( ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة أليس في جهنم مثوى للمتكبرين ) * . يقول تعالى ذكره : ويوم القيامة ترى يا محمد هؤلاء الذين كذبوا على الله من قومك فزعموا أن له ولدا ، وأن له شريكا ، وعبدوا آلهة من دونه وجوههم مسودة والوجوه وإن كانت مرفوعة بمسودة ، فإن فيها معنى نصب ، لأنها مع خبرها تمام ترى ، ولو تقدم قوله مسودة قبل الوجوه ، كان نصبا ، ولو نصب الوجوه المسودة ناصب في الكلام لا في القرآن ، إذا كانت المسودة مؤخرة كان جائزا ، كما قال الشاعر : ذريني إن أمرك لن يطاعا * وما ألفيتني حلمي مضاعا فنصب الحلم والمضاع على تكرير ألفيتني ، وكذلك تفعل العرب في كل ما احتاج إلى اسم وخبر ، مثل ظن وأخواتها وفي مسودة للعرب لغتان : مسودة ، ومسوادة ، وهي في أهل الحجاز يقولون فيما ذكر عنهم : قد اسواد وجهه ، واحمار ، واشهاب . وذكر بعض نحويي البصرة عن بعضهم أنه قال : لا يكون أفعال إلا في ذي اللون الواحد نحو الأشهب ، قال : ولا يكون في نحو الأحمر ، لان الأشهب لون يحدث ، والأحمر لا يحدث . وقوله : أليس في جهنم مثوى للمتكبرين يقول : أليس في جهنم مأوى ومسكن لمن تكبر على الله ، فامتنع من توحيده ، والانتهاء إلى طاعته فيما أمره ونهاه عنه . القول في تأويل قوله تعالى :