محمد بن جرير الطبري

15

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ( ص ) : قل يا محمد ، الله خالق السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة الذي لا تراه الابصار ، ولا تحسه العيون والشهادة الذي تشهده أبصار خلقه ، وتراه أعينهم أنت تحكم بين عبادك فتفصل بينهم بالحق يوم تجمعهم لفصل القضاء بينهم فيما كانوا فيه في الدنيا يختلفون من القول فيك ، وفي عظمتك وسلطانك ، وغير ذلك من اختلافهم بينهم ، فتقضي يومئذ بيننا وبين هؤلاء المشركين الذين إذا ذكرت وحدك اشمأزت قلوبهم ، وإذا ذكر من دونك استبشروا بالحق . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : 23238 حدثنا محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، في قوله : فاطر السماوات والأرض فاطر : قال خالق . وفي قوله عالم الغيب قال : ما غاب عن العباد فهو يعلمه ، والشهادة : ما عرف العباد وشهدوا ، فهو يعلمه . القول في تأويل قوله تعالى : * ( ولو أن للذين ظلموا ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به من سوء العذاب يوم القيامة وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون ) * . يقول تعالى ذكره : ولو أن لهؤلاء المشركين بالله يوم القيامة ، وهم الذين ظلموا أنفسهم ما في الأرض جميعا في الدنيا من أموالها وزينتها ومثله معه مضاعفا ، فقبل ذلك منهم عوضا من أنفسهم ، لفدوا بذلك كله أنفسهم عوضا منها ، لينجو من سوء عذاب الله ، الذي هو معذبهم به يومئذ وبدا لهم من الله يقول : وظهر لهم يومئذ من أمر الله وعذابه ، الذي كان أعده لهم ، ما لم يكونوا قبل ذلك يحتسبون أنه أعده لهم . القول في تأويل قوله تعالى : * ( وبدا لهم سيئات ما كسبوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون ) * . يقول تعالى ذكره : وظهر لهؤلاء المشركين يوم القيامة سيئات ما كسبوا من الأعمال في الدنيا ، إذ أعطوا كتبهم بشمائلهم وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون ووجب عليهم حينئذ ، فلزمهم عذاب الله الذي كان نبي الله ( ص ) في الدنيا يعدهم على كفرهم بربهم ، فكانوا به يسخرون ، إنكارا أن يصيبهم ذلك ، أو ينالهم تكذيبا منهم به ، وأحاط ذلك بهم . القول في تأويل قوله تعالى :