محمد بن جرير الطبري

148

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

23573 حدثني داود بن سليمان بن يزيد المكتب البصري ، قال : ثنا عمرو بن جرير البجلي ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن قيس بن أبي حازم ، في قول الله : ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله قال : المؤذن وعمل صالحا قال : الصلاة ما بين الأذان إلى الإقامة . وقوله : وقال إنني من المسلمين يقول : وقال : إنني ممن خضع لله بالطاعة ، وذل له بالعبودة ، وخشع له بالايمان بوحدانيته . وقوله : ولا تستوي الحسنة ولا السيئة يقول تعالى ذكره : ولا تستوي حسنة الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ، فأحسنوا في قولهم ، وإجابتهم ربهم إلى ما دعاهم إليه من طاعته ، ودعوا عباد الله إلى مثل الذي أجابوا ربهم إليه ، وسيئة الذين قالوا : لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون فكذلك لا تستوي عند الله أحوالهم ومنازلهم ، ولكنها تختلف كما وصف جل ثناؤه أنه خالف بينهما ، وقال جل ثناؤه : ولا تستوي الحسنة ولا السيئة فكرر لا ، والمعنى : لا تستوي الحسنة ولا السيئة ، لان كل ما كان غير مساو شيئا ، فالشئ الذي هو له غير مساو غير مساويه ، كما أن كل ما كان مساويا لشئ فالآخر الذي هو له مساو ، مساو له ، فيقال : فلان مساو فلانا ، وفلان له مساو ، فكذلك فلان ليس مساويا لفلان ، ولا فلان مساويا له ، فلذلك كررت لا مع السيئة ، ولو لم تكن مكررة معها كان الكلام صحيحا . وقد كان بعض نحويي البصرة يقول : يجوز أن يقال : الثانية زائدة يريد : لا يستوي عبد الله وزيد ، فزيدت لا توكيدا ، كما قال : لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون : أي لان يعلم ، وكما قال : لا أقسم بيوم القيامة ولا أقسم بالنفس اللوامة . وقد كان بعضهم ينكر قوله هذا في : لئلا يعلم أهل الكتاب ، وفي قوله : لا أقسم فيقول : لا الثانية في قوله : لئلا يعلم أهل الكتاب أن لا يقدرون ردت إلى موضعها ، لأن النفي إنما لحق يقدرون لا العلم ، كما يقال : لا أظن زيدا لا يقوم ، بمعنى : أظن زيدا لا يقوم قال : وربما استوثقوا فجاؤوا به أولا وآخرا ، وربما اكتفوا بالأول من الثاني . وحكي سماعا من العرب : ما كأني أعرفها : أي كأني لا أعرفها . قال : وأما لا في قوله لا أقسم فإنما هو جواب ، والقسم بعدها مستأنف ، ولا يكون حرف الجحد مبتدأ صلة .