محمد بن جرير الطبري
8
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
وهذا الذي قاله قتادة في ذلك عندي ، من معنى سلخ النهار من الليل ، بعيد وذلك أن إيلاج الليل في النهار ، إنما هو زيادة ما نقص من ساعات هذا في ساعات الآخر ، وليس السلخ من ذلك في شئ ، لان النهار يسلخ من الليل كله ، وكذلك الليل من النهار كله ، وليس يولج كل الليل في كل النهار ، ولا كل النهار في كل الليل . وقوله : والشمس تجري لمستقر لها يقول تعالى ذكره : والشمس تجري لموضع قرارها ، بمعنى : إلى موضع قرارها وبذلك جاء الأثر عن رسول الله ( ص ) . ذكر الرواية بذلك : 22288 حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا جابر بن نوح ، قال : ثنا الأعمش ، عن إبراهيم التيمي ، عن أبيه ، عن أبي ذر الغفاري ، قال : كنت جالسا عند النبي ( ص ) في المسجد ، فلما غربت الشمس ، قال : يا أبا ذر هل تدري أين تذهب الشمس ؟ قلت : الله ورسوله أعلم ، قال : فإنها تذهب فتسجد بين يدي ربها ، ثم تستأذن بالرجوع فيؤذن لها ، وكأنها قد قيل لها ارجعي من حيث جئت ، فتطلع من مكانها ، وذلك مستقرها . وقال بعضهم في ذلك بما : 22289 حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : والشمس تجري لمستقر لها قال : وقت واحد لا تعدوه . وقال آخرون : معنى ذلك : تجري لمجرى لها إلى مقادير مواضعها ، بمعنى : أنها تجري إلى أبعد منازلها في الغروب ، ثم ترجع ولا تجاوزه . قالوا : وذلك أنها لا تزال تتقدم كل ليلة حتى تنتهي إلى أبعد مغاربها ثم ترجع . وقوله : ذلك تقدير العزيز العليم يقول : هذا الذي وصفنا من جري الشمس لمستقر لها ، تقدير العزيز في انتقامه من أعدائه ، العليم بمصالح خلقه ، وغير ذلك من الأشياء كلها ، لا يخفى عليه خافية . القول في تأويل قوله تعالى : * ( والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم * لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون ) * .