محمد بن جرير الطبري
65
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
وقال آخرون : معنى ذلك : أنها لا تغول عقولهم . ذكر من قال ذلك : 22497 حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي لا فيها غول قال : لا تغتال عقولهم . وقال آخرون : بل معنى ذلك : ليس فيها أذى ولا مكروه . ذكر من قال ذلك : حدثت عن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة ، عن إسرائيل ، عن سالم الأفطس ، عن سعيد بن جبير ، في قوله : لا فيها غول قال : أذى ولا مكروه . 22498 حدثنا محمد بن سنان القزاز ، قال : ثنا عبد الله بن بزيعة ، قال : أخبرنا إسرائيل ، عن سالم ، عن سعيد بن جبير ، في قوله : لا فيها غول قال : ليس فيها أذى ولا مكروه . وقال آخرون : بل معنى ذلك : ليس فيها إثم . ولكل هذه الأقوال التي ذكرناها وجه ، وذلك أن الغول في كلام العرب : هو ما غال الانسان فذهب به ، فكل من ناله أمر يكرهه ضربوا له بذلك المثل ، فقالوا : غالت فلانا غول ، فالذاهب العقل من شرب الشراب ، والمشتكي البطن منه ، والمصدع الرأس من ذلك ، والذي ناله منه مكروه كلهم قد غالته غول فإذا كان ذلك كذلك ، وكان الله تعالى ذكره قد نفى عن شراب الجنة أن يكون فيه غول ، فالذي هو أولى بصفته أن يقال فيه كما قال جل ثناؤه لا فيها غول فيعم بنفي كل معاني الغول عنه ، وأعم ذلك أن يقال : لا أذى فيها ولا مكروه على شاربيها في جسم ولا عقل ، ولا غير ذلك . واختلفت القراء في قراءة قوله ولا هم عنها ينزفون فقرأته عامة قراء المدينة والبصرة وبعض قراء الكوفة ينزفون بفتح الزاي ، بمعنى : ولا هم عن شربها تنزف عقولهم . وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة : ولا هم عنها ينزفون بكسر الزاي ، بمعنى : ولا هم عن شربها ينفد شرابهم . والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى غير مختلفتيه ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب وذلك أن أهل الجنة لا ينفد شرابهم ، ولا يسكرهم شربهم إياه ، فيذهب عقولهم .