محمد بن جرير الطبري
44
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
بإضافة الزينة إلى الكواكب ، وخفض الكواكب إنا زينا السماء الدنيا التي تليكم أيها الناس وهي الدنيا إليكم بتزيينها الكواكب : أي بأن زينتها الكواكب . وقرأ ذلك جماعة من قراء الكوفة : بزينة الكواكب بتنوين زينة ، وخفض الكواكب ردا لها على الزينة ، بمعنى : إنا زينا السماء الدنيا بزينة هي الكواكب ، كأنه قال : زيناها بالكواكب . وروي عن بعض قراء الكوفة أنه كان ينون الزينة وينصب الكواكب ، بمعنى : إنا زينا السماء الدنيا بتزييننا الكواكب . ولو كانت القراءة في الكواكب جاءت رفعا إذا نونت الزينة ، لم يكن لحنا ، وكان صوابا في العربية ، وكان معناه : إنا زينا السماء الدنيا بتزيينها الكواكب : أي بأن زينتها الكواكب وذلك أن الزينة مصدر ، فجائز توجيهها إلى أي هذه الوجوه التي وصفت في العربية . وأما القراءة فأعجبها إلي بإضافة الزينة إلى الكواكب وخفض الكواكب لصحة معنى ذلك في التأويل والعربية ، وأنها قراءة أكثر قراء الأمصار ، وإن كان التنوين في الزينة وخفض الكواكب عندي صحيحا أيضا . فأما النصب في الكواكب والرفع ، فلا أستجيز القراءة بهما ، لاجماع الحجة من القراء على خلافهما ، وإن كان لهما في الاعراب والمعنى وجه صحيح . وقد اختلف أهل العربية في تأويل ذلك إذا أضيفت الزينة إلى الكواكب ، فكان بعض نحويي البصرة يقول : إذا قرئ ذلك كذلك ، فليس يعني بعضها ، ولكن زينتها حسنها وكان غيره يقول : معنى ذلك إذا قرئ كذلك : إنا زينا السماء الدنيا بأن زينتها الكواكب . وقد بينا الصواب في ذلك عندنا . وقوله : وحفظا يقول تعالى ذكره : وحفظا للسماء الدنيا زيناها بزينة الكواكب . وقد اختلف أهل العربية في وجه نصب قوله : وحفظا فقال بعض نحويي البصرة : قال وحفظا ، لأنه بدل من اللفظ بالفعل ، كأنه قال ، وحفظناها حفظا . وقال بعض نحويي الكوفة : إنما هو من صلة التزيين أنا زينا السماء الدنيا حفظا لها ، فأدخل الواو على التكرير : أي وزيناها حفظا لها ، فجعله من التزيين وقد بينا القول فيه عندنا . وتأويل الكلام : وحفظا لها من كل شيطان عات خبيث زيناها ، كما : 22414 حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وحفظا يقول : جعلتها حفظا من كل شيطان مارد .