محمد بن جرير الطبري

29

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

من السجود ، لأبيكم آدم ، حسدا منه له ، على ما كان الله أعطاه من الكرامة ، وغروره إياه ، حتى أخرجه وزوجته من الجنة . وقوله : وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم يقول : وألم أعهد إليكم أن اعبدوني دون كل ما سواي من الآلهة والأنداد ، وإياي فأطيعوا ، فإن إخلاص عبادتي ، وإفراد طاعتي ، ومعصية الشيطان ، هو الدين الصحيح ، والطريق المستقيم . القول في تأويل قوله تعالى : * ( ولقد أضل منكم جبلا كثيرا أفلم تكونوا تعقلون * هذه جهنم التي كنتم توعدون * اصلوها اليوم بما كنتم تكفرون ) * . يعني تعالى ذكره بقوله : ولقد أضل منكم جبلا كثيرا : ولقد صد الشيطان منكم خلقا كثيرا عن طاعتي ، وإفرادي بالألوهة حتى عبدوه ، واتخذوا من دوني آلهة يعبدونها ، كما : 22366 حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى وحدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ولقد أضل منكم جبلا قال : خلقا . واختلف القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء المدينة وبعض الكوفيين جبلا بكسر الجيم وتشديد اللام ، وكان بعض المكيين وعامة قراء الكوفة يقرؤونه : جبلا بضم الجيم والباء وتخفيف اللام . وكان بعض قراء البصرة يقرؤه : جبلا بضم الجيم وتسكين الباء ، وكل هذه لغات معروفات ، غير أني لا أحب القراءة في ذلك إلا بإحدى القراءتين اللتين إحداهما بكسر الجيم وتشديد اللام ، والأخرى : ضم الجيم والباء وتخفيف اللام ، لان ذلك هو القراءة التي عليها عامة قراء الأمصار . وقوله : أفلم تكونوا تعقلون يقول : أفلم تكونوا تعقلون أيها المشركون ، إذ أطعتم الشيطان في عبادة غير الله ، أنه لا ينبغي لكم أن تطيعوا عدوكم وعدو الله ، وتعبدوا غير الله . وقوله : هذه جهنم التي كنتم توعدون يقول : هذه جهنم التي كنتم توعدون بها في الدنيا على كفركم بالله ، وتكذيبكم رسله ، فكنتم بها تكذبون . وقيل : إن جهنم أول باب من أبواب النار . وقوله : اصلوها اليوم بما كنتم تكفرون يقول : احترقوا بها اليوم وردوها يعني باليوم : يوم القيامة بما كنتم تكفرون : يقول : بما كنتم تجحدونها في الدنيا ، وتكذبون بها . القول في تأويل قوله تعالى :