محمد بن جرير الطبري
248
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
وقوله : إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب يقول تعالى ذكره : إن في فعل الله ذلك كالذي وصف لذكرى وموعظة لأهل العقول والحجا يتذكرون به ، فيعلمون أن من فعل ذلك فلن يتعذر عليه إحداث ما شاء من الأشياء ، وإنشاء ما أراد من الأجسام والاعراض ، وإحياء من هلك من خلقه من بعد مماته وإعادته من بعد فنائه ، كهيئته قبل فنائه ، كالذي فعل بالأرض التي أنزل عليها من بعد موتها الماء ، فأنبت بها الزرع المختلف الألوان بقدرته . القول في تأويل قوله تعالى : * ( أفمن شرح الله صدره للاسلام فهو على نور من ربه فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله أولئك في ضلال مبين ) * . يقول تعالى ذكره : أفمن فسح الله قلبه لمعرفته ، والاقرار بوحدانيته ، والاذعان لربوبيته ، والخضوع لطاعته فهو على نور من ربه يقول : فهو على بصيرة مما هو عليه ويقين ، بتنوير الحق في قلبه ، فهو لذلك لأمر الله متبع ، وعما نهاه عنه منته فيما يرضيه كمن أقسى الله قلبه ، وأخلاه من ذكره ، وضيقه عن استماع الحق ، واتباع الهدى ، والعمل بالصواب ؟ وترك ذكر الذي أقسى الله قلبه ، وجواب الاستفهام اجتزاء بمعرفة السامعين المراد من الكلام ، إذ ذكر أحد الصنفين ، وجعل مكان ذكر الصنف الآخر الخبر عنه بقوله : فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : 23183 حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : أفمن شرح الله صدره للاسلام فهو على نور من ربه يعني : كتاب الله ، هو المؤمن به يأخذ ، وإليه ينتهي . 23184 حدثنا محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قوله : أفمن شرح الله صدره للاسلام قال : وسع صدره للاسلام ، والنور : الهدى . 23185 حدثت عن ابن أبي زائدة عن ابن جريج ، عن مجاهد أفمن شرح الله صدره للاسلام قال : ليس المنشرح صدره مثل القاسي قلبه . قوله : فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله يقول تعالى ذكره : فويل للذين جفت قلوبهم ونأت عن ذكر الله وأعرضت ، يعني عن القرآن الذي أنزله تعالى ذكره ، مذكرا به