محمد بن جرير الطبري
223
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
مرفوعا بتأويل قوله : لأملأن فيكون معنى الكلام حينئذ : فالحق أن أملا جهنم منك ، كما يقول : عزمة صادقة لآتينك ، فرفع عزمة بتأويل لآتينك ، لان تأويله أن آتيك ، كما قال : ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه فلا بد لقوله : بدا لهم من مرفوع ، وهو مضمر في المعنى . وقرأ ذلك عامة قراء المدينة والبصرة وبعض المكيين والكوفيين بنصب الحق الأول والثاني كليهما ، بمعنى : حقا لأملأن جهنم والحق أقول ، ثم أدخلت الألف واللام عليه ، وهو منصوب ، لان دخولهما إذا كان كذلك معنى الكلام وخروجهما منه سواء ، كما سواء قولهم : حمدا لله ، والحمد لله عندهم إذا نصب . وقد يحتمل أن يكون نصبه على وجه الاغراء بمعنى : ألزموا الحق ، واتبعوا الحق ، والأول أشبه لان خطاب من الله لإبليس بما هو فاعل به وبتباعه . وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب أن يقال : إنهما قراءتان مستفيضتان في قراءة الأمصار ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب ، لصحة معنييهما . وأما الحق الثاني ، فلا اختلاف في نصبه بين قراء الأمصار كلهم ، بمعنى : وأقول الحق . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : 23106 حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا جرير ، عن الأعمش ، عن مجاهد ، في قوله : فالحق والحق أقول يقول الله : أنا الحق ، والحق أقول . 23107 وحدثت عن ابن أبي زائدة ، عن ابن جريج ، عن مجاهد فالحق والحق أقول يقول الله : الحق مني ، وأقول الحق حدثنا أحمد بن يوسف ، قال : ثنا القاسم ، قال : ثنا حجاج ، عن هارون ، قال : ثنا أبان بن تغلب ، عن طلحة اليامي ، عن مجاهد ، أنه قرأها فالحق بالرفع والحق أقول نصبا وقال : يقول الله : أنا الحق ، والحق أقول . 23108 حدثنا محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، في قوله : الحق والحق أقول قال : قسم أقسم الله به . وقوله : لأملأن جهنم منك يقول لإبليس : لأملأن جهنم منك وممن تبعك من بني آدم أجمعين . وقوله : قل ما أسألكم عليه من أجر يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ( ص ) : قل يا محمد لمشركي قومك ، القائلين لك أأنزل عليه الذكر من بيننا : ما أسألكم على هذا