محمد بن جرير الطبري
19
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
ذلك بعض المكيين والبصريين : وهم يخصمون بفتح الخاء وتشديد الصاد بمعنى : يختصمون ، غير أنهم نقلوا حركة التاء وهي الفتحة التي في يفتعلون إلى الخاء منها ، فحركوها بتحريكها ، وأدغموا التاء في الصاد وشددوها . وقرأ ذلك بعض قراء الكوفة : يخصمون بكسر الخاء وتشديد الصاد ، فكسروا الخاء بكسر الصاد وأدغموا التاء في الصاد وشددوها . وقرأ ذلك آخرون منهم : يخصمون بسكون الخاء وتخفيف الصاد ، بمعنى يفعلون من الخصومة ، وكأن معنى قارئ ذلك كذلك : كأنهم يتكلمون ، أو يكون معناه عنده : كان وهم عند أنفسهم يخصمون من وعدهم مجئ الساعة ، وقيام القيامة ، ويغلبونه بالجدل في ذلك . والصواب من القول في ذلك عندنا أن هذه قراءات مشهورات معروفات في قراء الأمصار ، متقاربات المعاني ، فبأيتهن قرأ القارئ فمصيب . وقوله : فلا يستطيعون توصية يقول تعالى ذكره : فلا يستطيع هؤلاء المشركون عند النفخ في الصور أن يوصوا في أموالهم أحدا ولا إلى أهلهم يرجعون يقول : ولا يستطيع من كان منهم خارجا عن أهله أن يرجع إليهم ، لأنهم لا يمهلون بذلك . ولكن يعجلون بالهلاك . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : 22336 حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة فلا يستطيعون توصية : أي فيما في أيديهم ولا إلى أهلهم يرجعون قال : أعجلوا عن ذلك . 22337 حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : ما ينظر هؤلاء إلا صيحة واحدة . . . الآية ، قال هذا مبتدأ يوم القيامة ، وقرأ : فلا يستطيعون توصية حتى بلغ إلى ربهم ينسلون . القول في تأويل قوله تعالى : * ( ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون * قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون * إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون ) * . يقول تعالى ذكره : ونفخ في الصور ، وقد ذكرنا اختلاف المختلفين والصواب من القول فيه بشواهده فيما مضى قبل بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع ، ويعنى بهذه النفخة ، نفخة البعث .