محمد بن جرير الطبري

177

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

ذكروا فقالوا : هل يأتي على الانسان يوم لا يصيب فيه ذنبا ؟ فأضمر داود في نفسه أنه سيطيق ذلك فلما كان يوم عبادته ، أغلق أبوابه ، وأمر أن لا يدخل عليه أحد ، وأكب على التوراة فبينما هو يقرؤها ، فإذا حمامة من ذهب فيها من كل لون حسن ، قد وقعت بين يديه ، فأهوى إليها ليأخذها ، قال : فطارت ، فوقعت غير بعيد ، من غير أن تؤيسه من نفسها ، قال : فما زال يتبعها حتى أشرف على امرأة تغتسل ، فأعجبه خلقها وحسنها قال : فلما رأت ظله في الأرض ، جللت نفسها بشعرها ، فزاده ذلك أيضا إعجابا بها ، وكان قد بعث زوجها على بعض جيوشه ، فكتب إليه أن يسير إلى مكان كذا وكذا ، مكان إذا سار إليه لم يرجع ، قال : ففعل ، فأصيب فخطبها فتزوجها . قال : وقال قتادة : بلغنا أنها أم سليمان ، قال : فبينما هو في المحراب ، إذ تسور الملكان عليه ، وكان الخصمان إذا أتوه يأتونه من باب المحراب ، ففزع منهم حين تسوروا المحراب ، فقالوا : لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض . . . حتى بلغ ولا تشطط : أي لا تمل واهدنا إلى سواء الصراط : أي أعدله وخيره إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ، وكان لداود تسع وتسعون امرأة ولي نعجة واحدة قال : وإنما كان للرجل امرأة واحدة فقال أكفلنيها وعزني في الخطاب أي : ظلمني وقهرني ، فقال : لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه . . . إلى قوله : وقليل ما هم وظن داود فعلم داود أنما صمد له : أي عنى به ذلك فخر راكعا وأناب قال : وكان في حديث مطر ، أنه سجد أربعين ليلة ، حتى أوحى الله إليه : إني قد غفرت لك ، قال : رب وكيف تغفر لي وأنت حكم عدل ، لا تظلم أحدا ؟ قال : إني أقضيك له ، ثم أستوهبه أو ذنبك ، ثم أثيبه حتى يرضى ، قال : الآن طابت نفسي ، وعلمت أنك قد غفرت لي . 22939 حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، قال : ثني محمد بن إسحاق ، عن بعض أهل العلم ، عن وهب بن منبه اليماني ، قال : لما اجتمعت بنو إسرائيل ، على داود ، أنزل الله عليه الزبور ، وعلمه صنعة الحديد ، فألانه له ، وأمر الجبال والطير أن يسبحن معه إذا سبح ، ولم يعط الله فيما يذكرون أحدا من خلقه مثل صوته كان إذا قرأ الزبور فيما يذكرون ، تدنو له الوحوش حتى يأخذ بأعناقها ، وإنها لمصيخة تسمع لصوته ، وما صنعت الشياطين المزامير والبرابط والصنوج ، إلا على أصناف صوته ، وكان شديد الاجتهاد دائب العبادة ، فأقام في بني إسرائيل يحكم فيهم بأمر الله نبيا مستخلفا ، وكان شديد الاجتهاد من الأنبياء ، كثير البكاء ، ثم عرض من فتنة تلك المرأة ما عرض له ، وكان له محراب يتوحد فيه لتلاوة الزبور ، ولصلاته إذا صلى ، وكان أسفل منه جنينة لرجل من بني إسرائيل ، كان عند ذلك الرجل المرأة التي أصاب داود فيها ما أصابه .