محمد بن جرير الطبري
108
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
يقول تعالى ذكره : ولقد تفضلنا على موسى وهارون ابني عمران ، فجعلناهما نبيين ، ونجيناهما وقومهما من الغم والمكروه العظيم الذي كانوا فيه من عبودة آل فرعون ، ومما أهلكنا به فرعون وقومه من الغرق . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : 22675 حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، في قوله : ونجيناهما وقومهما من الكرب العظيم قال : من الغرق . 22676 حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ونجيناهما وقومهما من الكرب العظيم : أي من آل فرعون . وقوله : ونصرناهم يقول : ونصرنا موسى وهارون وقومهما على فرعون وآله بتغريقناهم ، فكانوا هم الغالبين لهم . وقال بعض أهل العربية : إنما أريد بالهاء والميم في قوله : ونصرناهم موسى وهارون ، ولكنها أخرجت على مخرج مكني الجمع ، لان العرب تذهب بالرئيس كالنبي والأمير وشبهه إلى الجمع بجنوده وأتباعه ، وإلى التوحيد لأنه واحد في الأصل ، ومثله : على خوف من فرعون وملئهم وفي موضع آخر : وملئه . قال : وربما ذهبت العرب بالاثنين إلى الجمع كما تذهب بالواحد إلى الجمع ، فتخاطب الرجل ، فتقول : ما أحسنتم ولا أجملتم ، وإنما تريده بعينه ، وهذا القول الذي قاله هذا الذي حكينا قوله في قوله : ونصرناهم وإن كان قولا غير مدفوع ، فإنه لا حاجة بنا إلى الاحتيال به لقوله : ونصرناهم ، لان الله أتبع ذلك قوله : ونجيناهما وقومهما من الكرب العظيم ثم قال : ونصرناهم يعني : هما وقومهما ، لان فرعون وقومه كانوا أعداء لجميع بني إسرائيل ، قد استضعفوهم ، يذبحون أبناءهم ، ويستحيون نساءهم ، فنصرهم الله عليهم ، بأن غرقهم ونجى الآخرين . القول في تأويل قوله تعالى : * ( وآتيناهما الكتاب المستبين * وهديناهما الصراط المستقيم * وتركنا عليهما في الآخرين * سلام على موسى وهارون * إنا كذلك نجزي المحسنين * إنهما من عبادنا المؤمنين ) * .