محمد بن جرير الطبري
5
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
وأولى هذه الأقوال بالصواب ، قول من قال : عنى بقوله إلا الذين ظلموا منهم : إلا الذين امتنعوا من أداء الجزية ، ونصبوا دونها الحرب . فإن قال قائل : أو غير ظالم من أهل الكتاب ، إلا من لم يؤد الجزية ؟ قيل : إن جميعهم وإن كانوا لأنفسهم بكفرهم بالله ، وتكذيبهم رسوله محمدا ( ص ) ، ظلمة ، فإنه لم يعن بقوله إلا الذين ظلموا منهم ظلم أنفسهم . وإنما عنى به : إلا الذين ظلموا منهم أهل الايمان بالله ورسوله محمد ( ص ) ، فإن أولئك جادلوهم بالقتال . وإنما قلنا : ذلك أولى الأقوال فيه بالصواب ، لان الله تعالى ذكره أذن للمؤمنين بجدال ظلمة أهل الكتاب بغير الذي هو أحسن ، بقوله إلا الذين ظلموا منهم فمعلوم إذ كان قد أذن لهم في جدالهم ، أن الذين لم يؤذن لهم في جدالهم إلا بالتي هي أحسن ، غير الذين أذن لهم بذلك فيهم ، وأنهم غير المؤمن ، لان المؤمن منهم غير جائز جداله إلا في غير الحق ، لأنه إذا جاء بغير الحق ، فقد صار في معنى الظلمة في الذي خالف فيه الحق . فإذ كان ذلك كذلك ، تبين أن لا معنى لقول من قال : عنى بقوله ولا تجادلوا أهل الكتاب أهل الايمان منهم ، وكذلك لا معنى لقول من قال : نزلت هذه الآية قبل الامر بالقتال ، وزعم أنها منسوخة ، لأنه لا خبر بذلك يقطع العذر ، ولا دلالة على صحته من فطرة عقل . وقد بينا في غير موضع من كتابنا ، أنه لا يجوز أن يحكم على حكم الله في كتابه بأنه منسوخ إلا بحجة يجب التسليم لها من خبر أو عقل . وقوله : وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم ، وإلهنا وإلهكم واحد ، ونحن له مسلمون يقول تعالى ذكره للمؤمنين به وبرسوله ، الذين نهاهم أن يجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن : إذا حدثكم أهل الكتاب أيها القوم عن كتبهم ، وأخبروكم عنها بما يمكن ويجوز أن يكونوا فيه صادقين ، وأن يكونوا فيه كاذبين ، ولم تعلموا أمرهم وحالهم في ذلك فقولوا لهم آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم مما في التوراة والإنجيل وإلهنا وإلهكم واحد يقول : ومعبودنا ومعبودكم واحد ونحن له مسلمون يقول : ونحن له خاضعون متذللون بالطاعة فيما أمرنا ونهانا . وبنحو الذي قلنا في ذلك ، جاء الأثر عن رسول الله ( ص ) . ذكر الرواية بذلك : 21185 - حدثنا محمد بن المثنى ، قال : ثنا عثمان بن عمر ، قال : أخبرنا علي ، عن