محمد بن جرير الطبري

187

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

ولكنهم يجهلون ذلك ، فيحسبون أنهم ينفعونهم ويقربونهم إلى الله زلفى . القول في تأويل قوله تعالى : * ( إن الله يعلم ما يدعون من دونه من شئ وهو العزيز الحكيم ئ وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون ) * . اختلف القراء في قراءة قوله : إن الله يعلم ما يدعون فقرأته عامة قراء الأمصار تدعون بالتاء بمعنى الخطاب لمشركي قريش إن الله أيها الناس يعلم ما تدعون إليه من دونه من شئ . وقرأ ذلك أبو عمرو : إن الله يعلم ما يدعون بالياء بمعنى الخبر عن الأمم ، إن الله يعلم ما يدعو هؤلاء الذين أهلكناهم من الأمم من دونه من شئ . والصواب من القراءة في ذلك عندنا ، قراءة من قرأ بالتاء ، لان ذلك لو كان خبرا عن الأمم الذين ذكر الله أنه أهلكهم ، لكان الكلام : إن الله يعلم ما كانوا يدعون ، لان القوم في حال نزول هذا الخبر على نبي الله لم يكونوا موجودين ، إذ كانوا قد هلكوا فبادوا ، وإنما يقال : إن الله يعلم ما تدعون إذا أريد به الخبر عن موجودين ، لا عمن قد هلك . فتأويل الكلام إذ كان الامر كما وصفنا : إن الله يعلم أيها القوم حال ما تعبدون من دونه من شئ ، وأن ذلك لا ينفعكم ولا يضركم ، إن أراد الله بكم سوءا ، ولا يغني عنكم شيئا وإن مثله في قلة غنائه عنكم ، مثل بيت العنكبوت في غنائه عنها . وقوله : وهو العزيز الحكيم يقول : والله العزيز في انتقامه ممن كفر به ، وأشرك في عبادته معه غيره فاتقوا أيها المشركون به عقابه بالايمان به قبل نزوله بكم ، كما نزل بالأمم الذين قص الله قصصهم في هذه السورة عليكم ، فإنه إن نزل بكم عقابه لم تغن عنكم أولياؤكم الذين اتخذتموهم من دونه أولياء ، كما لم يغن عنهم من قبلكم أولياؤهم الذين اتخذوهم من دونه ، الحكيم في تدبيره خلقه ، فمهلك من استوجب الهلاك في الحال التي هلاكه صلاح ، والمؤخر من أخر هلاكه من كفرة خلقه به إلى الحين الذي في هلاكه الصلاح . وقوله : وتلك الأمثال نضربها للناس يقول تعالى ذكره : وهذه الأمثال ، وهي الأشباه والنظائر نضربها للناس يقول : نمثلها ونشبهها ونحتج بها للناس ، كما قال الأعشى :