محمد بن جرير الطبري

80

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

يقول تعالى ذكره : إن في إنباتنا في الأرض من كل زوج كريم لآية . يقول : لدلالة لهؤلاء المشركين المكذبين بالبعث ، على حقيقته ، وأن القدرة التي بها أنبت الله في الأرض ذلك النبات بعد جدوبها ، لن يعجزه أن ينشر بها الأموات بعد مماتهم ، أحياء من قبورهم . وقوله : وما كان أكثرهم مؤمنين يقول : وما كان أكثر هؤلاء المكذبين بالبعث ، الجاحدين نبوتك يا محمد ، بمصدقيك على ما تأتيهم به من عند الله من الذكر . يقول جل ثناؤه : وقد سبق في عملي أنهم لا يؤمنون ، فلا يؤمن بك أكثرهم للسابق من علمي فيهم . وقوله : وإن ربك لهو العزيز الرحيم يقول : وإن ربك يا محمد لهو العزيز في نقمته ، لا يمتنع عليه أحد أراد الانتقام منه . يقول تعالى ذكره : وإني إن أحللت بهؤلاء المكذبين بك يا محمد ، المعرضين عما يأتيهم من ذكر من عندي ، عقوبتي بتكذيبهم إياك ، فلن يمنعهم مني مانع ، لأني أنا العزيز الرحيم ، يعني أنه ذو الرحمة بمن تاب من خلقه من كفره ومعصيته ، أن يعاقبه على ما سلف من جرمه بعد توبته . وكان ابن جريج يقول في معنى ذلك ، ما : 20197 - حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني الحجاج ، عن ابن جريج قال : كل شئ في الشعراء من قوله عزيز رحيم فهو ما أهلك ممن مضى من الأمم ، يقول عزيز ، حين انتقم من أعدائه ، رحيم بالمؤمنين ، حين أنجاهم مما أهلك به أعداءه . قال أبو جعفر : وإنما اخترنا القول الذي اخترناه في ذلك في هذا الموضع ، لان قوله : وإن ربك لهو العزيز الرحيم عقيب وعيد الله قوما من أهل الشرك والتكذيب بالبعث ، لم يكونوا أهلكوا ، فيوجه إلى أنه خبر من الله عن فعله بهم وإهلاكه . ولعل ابن جريج بقوله هذا أراد ما كان من ذلك عقيب خبر الله عن إهلاكه من أهلك من الأمم ، وذلك إن شاء الله إذا كان عقيب خبرهم كذلك . القول في تأويل قوله تعالى : * ( وإذ نادى ربك موسى أن ائت القوم الظالمين ئ قوم فرعون ألا يتقون ) * . يقول تعالى ذكره : واذكر يا محمد إذ نادى ربك موسى بن عمران أن ائت القوم الظالمين يعني الكافرين قوم فرعون ، ونصب القوم الثاني ترجمة عن القوم الأول ، وقوله ألا يتقون يقول : ألا يتقون عقاب الله على كفرهم به . ومعنى الكلام : قوم فرعون فقل لهم : ألا يتقون . وترك إظهار فقل لهم لدلالة الكلام عليه . وإنما قيل : ألا يتقون بالياء ، ولم يقل ألا تتقون بالتاء ، لان التنزيل كان قبل الخطاب ، ولو جاءت القراءة فيها بالتاء كان