محمد بن جرير الطبري
69
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
القول في تأويل قوله تعالى : * ( أولئك يجزون الغرفة بما صبروا ويلقون فيها تحية وسلاما ) * . يقول تعالى ذكره : هؤلاء الذين وصفت صفتهم من عبادي ، وذلك من ابتداء قوله : وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا . . . إلى قوله : والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا . . . الآية يجزون يقول : يثابون على أفعالهم هذه التي فعلوها في الدنيا الغرفة وهي منزلة من منازل الجنة رفيعة بما صبروا يقول : بصبرهم على هذه الأفعال ، ومقاساة شدتها . وقوله : ويلقون فيها تحية وسلاما اختلفت القراء في قراءته ، فقرأته عامة قراء أهل المدينة والبصرة : ويلقون مضمومة الياء ، مشددة القاف ، بمعنى : وتتلقاهم الملائكة فيها بالتحية . وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة : ويلقون بفتح الياء ، وتخفيف القاف . والصواب من القول في ذلك أن يقال : إنهما قراءتان مشهورتان في قراءة الأمصار ، بمعنى واحد ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب ، غير أن أعجب القراءتين إلي أن أقرأ بها ويلقون فيها بفتح الياء ، وتخفيف القاف ، لان العرب إذا قالت ذلك بالتشديد ، قالت : فلان يتلقى بالسلام وبالخير ، ونحن نتلقاهم بالسلام ، قرنته بالياء ، وقلما تقول : فلان يلقى السلام ، فكان وجه الكلام ، لو كان بالتشديد ، أن يقال : ويتلقون فيها بالتحية والسلام . وإنما اخترنا القراءة بذلك ، كما تجيز : أخذت بالخطام ، وأخذت الخطام . وقد بينا معنى التحية والسلام فيما مضى قبل ، فأغنى عن إعادته في هذا الموضع . القول في تأويل قوله تعالى :