محمد بن جرير الطبري
51
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
20120 - حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله وكان بين ذلك قواما قال : القوام : أن ينفقوا في طاعة الله ، ويمسكوا عن محارم الله . 20121 - قال : أخبرني إبراهيم بن نشيط ، عن عمر مولى غفرة ، قال : قلت له : ما القوام ؟ قال : القوام : أن لا تنفق في غير حق ، ولا تمسك عن حق هو عليك . والقوام في كلام العرب ، بفتح القاف ، وهو الشئ بين الشيئين . تقول للمرأة المعتدلة الخلق : إنها لحسنة القوام في اعتدالها ، كما قال الحطيئة : طافت أمامة بالركبان آونة * يا حسنه من قوام ما ومنتقبا فأما إذا كسرت القاف فقلت : إنه قوام أهله ، فإنه يعني به : أن به يقوم أمرهم وشأنهم . وفيه لغات آخر ، يقال منه : هو قيام أهله وقيمهم في معنى قوامهم . فمعنى الكلام : وكان إنفاقهم بين الاسراف والاقتار قواما معتدلا ، لا مجاوزة عن حد الله ، ولا تقصيرا عما فرضه الله ، ولكن عدلا بين ذلك على ما أباحه جل ثناؤه ، وأذن فيه ورخص . واختلفت القراء في قراءة قوله : ولم يقتروا فقرأته عامة قراء المدينة ولم يقتروا بضم الياء وكسر التاء من : أقتر يقتر . وقرأته عامة قراء الكوفيين ولم يقتروا بفتح الياء وضم التاء من : قتر يقتر . وقرأته عامة قراء البصرة ولم يقتروا بفتح الياء وكسر التاء من قتر يقتر . والصواب من القول في ذلك ، أن كل هذه القراءات على اختلاف ألفاظها لغات مشهورات في العرب ، وقراءات مستفيضات وفي قراء الأمصار بمعنى واحد ، فبأيتها قرأ القارئ فمصيب . وقد بينا معنى الاسراف والاقتار بشواهدهما فيما مضى في كتابنا في كلام العرب ، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع . وفي نصب القوام وجهان : أحدهما ما ذكرت ، وهو أن يجعل في كان اسم الانفاق بمعنى : وكان إنفاقهم ما أنفقوا بين ذلك قواما : أي عدلا ، والآخر أن يجعل بين هو الاسم ، فتكون وإن كانت في اللفظة نصبا في معنى رفع ، كما يقال : كان دون هذا لك كافيا ، يعني به : أقل من هذا كان لك كافيا ، فكذلك يكون في قوله : وكان بين ذلك قواما لان معناه : وكان الوسط من ذلك قواما . القول في تأويل قوله تعالى :