محمد بن جرير الطبري
46
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : وهم لها سابقون ، فتلك الخيرات . وكان بعضهم يتأول ذلك بمعنى : وهم إليها سابقون . وتأوله آخرون : وهم من أجلها سابقون . وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب القول الذي قاله ابن عباس ، من أنه سبقت لهم من الله السعادة قبل مسارعتهم في الخيرات ، ولما سبق لهم من ذلك سارعوا فيها . وإنما قلت ذلك أولى التأويلين بالكلام لان ذلك أظهر معنييه ، وأنه لا حاجة بنا إذا وجهنا تأويل الكلام إلى ذلك ، إلى تحويل معنى اللام التي في قوله : وهم لها إلى غير معناها الأغلب عليها . القول في تأويل قوله تعالى : * ( ولا نكلف نفسا إلا وسعها ولدينا كتاب ينطق بالحق وهم لا يظلمون ) * . يقول تعالى ذكره : ولا نكلف نفسا إلا ما يسعها ويصلح لها من العبادة ولذلك كلفناها ما كلفناها من معرفة وحدانية الله ، وشرعنا لها ما شرعنا من الشرائع . ولدينا كتاب ينطق بالحق يقول : وعندنا كتاب أعمال الخلق بما عملوا من خير وشر ينطق بالحق وهم لا يظلمون يقول : يبين بالصدق عما عملوا من عمل في الدنيا ، لا زيادة عليه ولا نقصان ، ونحن موفو جميعهم أجورهم ، المحسن منهم بإحسانه والمسئ بإساءته . وهم لا يظلمون يقول : وهم لا يظلمون ، بأن يزاد على سيئات المسئ منهم ما لم يعمله فيعاقب على غير جرمه ، وينقص المحسن عما عمل من إحسانه فينقص عما له من الثواب . القول في تأويل قوله تعالى : * ( بل قلوبهم في غمرة من هذا ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون ) * . يقول تعالى ذكره : ما الامر كما يحسب هؤلاء المشركون ، من أن إمدادناهم بما نمدهم به من مال وبنين ، بخير نسوقه بذلك إليهم والرضا منا عنهم ولكن قلوبهم في غمرة عمى عن هذا القرآن . وعنى بالغمرة : ما غمر قلوبهم فغطاها عن فهم ما أودع الله كتابه من المواعظ والعبر والحجج . وعنى بقوله : من هذا من القرآن . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك :