محمد بن جرير الطبري
88
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
الناس ، وكانت تكسب عليه ما تطعمه وتسقيه قال وهب بن منبه : فحدثت أنها التمست له يوما من الأيام تطعمه ، فما وجدت شيئا حتى جزت قرنا من رأسها فباعته برغيف ، فأتته به فعشته إياه ، فلبث في ذلك البلاء تلك السنين ، حتى إن كان المار ليمر فيقول : لو كان لهذا عند الله خير لأراحه مما هو فيه حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، قال : فحدثني محمد بن إسحاق ، قال : وكان وهب بن منبه يقول : لبث في ذلك البلاء ثلاث سنين لم يزد يوما واحدا فلما غلبه أيوب فلم يستطع منه شيئا ، اعترض لامرأته في هيئة ليست كهيئة بني آدم في العظم والجسم والطول على مركب ليس من مراكب الناس ، له عظم وبهاء وجمال ليس لها ، فقال لها : أنت صاحبة أيوب هذا الرجل المبتلي ؟ قالت نعم . قال : هل تعرفينني ؟ قالت لا . قال : فأنا إله الأرض وأنا الذي صنعت بصاحبك ما صنعت ، وذلك أنه عبد إله السماء وتركني فأغضبني ، ولو سجد لي سجدة واحدة رددت عليه عليك كل ما كان لكما من مال وولد ، فإنه عندي ثم أراها إياهم فيما ترى ببطن الوادي الذي لقيها فيه . قال : وقد سمعت أنه إنما قال : لو أن صاحبك أكل طعاما ولم يسم عليه لعوفي مما به من البلاء ، والله أعلم . وأراد عدو الله أن يأتيه من قبلها . فرجعت إلى أيوب ، فأخبرته بما قال لها وما أراها قال : أو قد أتاك عدو الله ليفتنك عن دينك ؟ ثم أقسم إن الله عافاه ليضربنها مئة ضربة فلما طال عليه البلاء ، جاءه أولئك النفر الذين كانوا معه قد آمنوا به وصدقوه ، معهم فتى حديث السن قد كان آمن به وصدقه ، فجلسوا إلى أيوب ونظروا إلى ما به من البلاء ، فأعظموا ذلك وفظعوا به ، وبلغ من أيوب صلوات الله عليه مجهوده ، وذلك حين أراد الله أن يفرج عنه ما به فلما رأى أيوب ما أعظموا مما أصابه ، قال : أي رب لأي شئ خلقتني ولو كنت إذ قضيت علي البلاء تركتني فلم تخلقني ؟ ليتني كنت دما ألقتني أمي . ثم ذكر نحو حديث ابن عسكر ، عن إسماعيل بن عبد الكريم ، إلى : وكابدوا الليل ، واعتزلوا الفرش ، وانتظروا الأسحار ثم زاد فيه : أولئك الآمنون الذي لا يخافون ، ولا يهتمون ولا يحزنون ، فأين عاقبة أمرك يا أيوب من عواقبهم ؟ قال فتى حضرهم وسمع قولهم ولم يفطنوا له ولم يأبهوا لمجلسه ، وإنما قيضه الله لهم لما كان من جورهم في المنطق وشططهم ، فأراد الله أن يصغر به إليهم أنفسهم وأن يسفه بصغره لهم أحلامهم فلما تكلم تمادى في الكلام ، فلم يزدد إلا حكما . وكان القوم من شأنهم الاستماع والخشوع إذا وعظوا أو ذكروا فقال : إنكم تكلمتم قبلي أيها الكهول ، وكنتم أحق بالكلام وأولى به مني لحق أسنانكم ، ولأنكم جربتم قبلي ورأيتم وعلمتم ما لم أعلم وعرفتم ما لم أعرف ، ومع ذلك قد تركتم من القول أحسن من الذي قلتم ومن الرأي