محمد بن جرير الطبري

56

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

الحجة لا شك إنما هو احتجاج المحتج على خصمه بما هو حجة لخصمه . وأما قول السدي : ثم نكسوا في الفتنة ، فإنهم لم يكونوا خرجوا من الفتنة قبل ذلك فنكسوا فيها . وأما قول من قال من أهل العربية ما ذكرنا عنه ، فقول بعيد من الفهوم لأنهم لو كانوا رجعوا عما عرفوا من حجة إبراهيم ، ما احتجوا عليه بما هو حجة له ، بل كانوا يقولون له : لا تسألهم ، ولكن نسألك فأخبرنا من فعل ذلك بها ، وقد سمعنا أنك فعلت ذلك ولكن صدقوا القول فقالوا لقد علمت ما هؤلاء ينطقون وليس ذلك رجوعا عما كانوا عرفوا ، بل هو إقرار به . القول في تأويل قوله تعالى : * ( قال أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم ئ أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون ) * . يقول تعالى ذكره : قال إبراهيم لقومه : أفتعبدون أيها القوم ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم ، وأنتم قد علمتم أنها لم تمنع نفسها ممن أرادها بسوء ، ولا هي تقدر أن تنطق إن سئلت عمن يأتيها بسوء فتخبر به ، أفلا تستحيون من عبادة ما كان هكذا ؟ كما : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق : قال أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم . . . الآية ، يقول يرحمه الله : ألا ترون أنهم لم يدفعوا عن أنفسهم الضر الذي أصابهم ، وأنهم لا ينطقون فيخبرونكم من صنع ذلك بهم ، فكيف ينفعونكم أو يضرون وقوله : أف لكم يقول : قبحا لكم وللآلهة التي تعبدون من دون الله ، أفلا تعقلون قبح ما تفعلون من عبادتكم ما لا يضر ولا ينفع ، فتتركوا عبادته ، وتعبدوا الله الذي فطر السماوات والأرض ، والذي بيده النفع والضر ؟ القول في تأويل قوله تعالى : * ( قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين ئ قلنا ينار كوني بردا وسلاما على إبراهيم ئ وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين ) * . يقول تعالى ذكره : قال بعض قوم إبراهيم لبعض : حرقوا إبراهيم بالنار وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين يقول : إن كنتم ناصريها ولم تريدوا ترك عبادتها . وقيل : إن الذي قال ذلك رجل من أكراد فارس . ذكر من قال ذلك :