محمد بن جرير الطبري

44

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

أنفسهم بنعمة الله وإحسانه إليهم وكفرانهم أياديه عندهم ، وليقولن يا ويلنا إنا كان ظالمين في عبادتنا الآلهة والأنداد ، وتركنا عبادة الله الذي خلقنا وأنعم علينا ووضعنا العبادة غير موضعها . القول في تأويل قوله تعالى : * ( ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين ) * . يقول تعالى ذكره : ونضع الموازين العدل وهو القسط . وجعل القسط وهو موحد من نعت الموازين ، وهو جمع لأنه في مذهب عدل ورضا ونظر . وقوله : ليوم القيامة يقول : لأهل يوم القيامة ، ومن ورد على الله في ذلك اليوم من خلقه . وقد كان بعض أهل العربية يوجه معنى ذلك إلى في كأن معناه عنده : ونضع الموازين القسط في يوم القيامة . وقوله : فلا تظلم نفس شيئا يقول : فلا يظلم الله نفسا ممن ورد عليه منهم شيئا بأن يعاقبه بذنب لم يعمله أو يبخسه ثواب عمل عمله وطاعة أطاعه بها ولكن يجازي المحسن بإحسانه ، ولا يعاقب مسيئا إلا بإساءته . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، قوله : ونضع الموازين القسط ليوم القيامة . . . إلى آخر الآية ، وهو كقوله : والوزن يومئذ الحق يعني بالوزن : القسط بينهم بالحق في الأعمال الحسنات والسيئات فمن أحاطت حسناته بسيئاته ثقلت موازينه ، يقول : أذهبت حسناته سيئاته ، ومن أحاطت سيئاته بحسناته فقد خفت موازينه وأمه هاوية ، يقول : أذهبت سيئاته حسناته . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا الثوري ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله : ونضع الموازين القسط ليوم القيامة قال : إنما هو مثل ، كما يجوز الوزن كذلك يجوز الحق . قال الثوري : قال ليث عن مجاهد : ونضع الموازين القسط قال : العدل . ]