محمد بن جرير الطبري
39
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
يقول تعالى ذكره : لا تأتي هذه النار التي تلفح وجوه هؤلاء الكفار الذين وصف أمرهم في هذه السورة حين تأتيهم عن علم منهم بوقتها ، ولكنها تأتيهم مفاجأة لا يشعرون بمجيئها فتبهتهم يقول : فتغشاهم فجأة ، وتلفح وجوههم معاينة كالرجل يبهت الرجل في وجهه بالشئ ، حتى يبقى المبهوت كالحيران منه . فلا يستطيعون ردها يقول : فلا يطيقون حين تبغتهم فتبهتهم دفعها عن أنفسهم . ولا هم ينظرون يقول : ولا هم وإن لم يطيقوا دفعها عن أنفسهم يؤخرون بالعذاب بها لتوبة يحدثونها وإنابة ينيبون ، لأنها ليست حين عمل وساعة توبة وإنابة ، بل هي ساعة مجازاة وإثابة . القول في تأويل قوله تعالى : * ( ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون ) * . يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ( ص ) : إن يتخذك يا محمد هؤلاء القائلون لك : هل هذا إلا بشر مثلكم ، أفتأتون السحر وأنتم تبصرون ، إذ رأوك هزوا ويقولون : هذا الذي يذكر آلهتكم كفرا منهم بالله ، واجتراء عليه . فلقد استهزئ برسل من رسلنا الذين أرسلناهم من قبلك إلى أممهم ، يقول : فوجب ونزل بالذين استهزءوا بهم ، وسخروا منهم من أممهم ما كانوا به يستهزءون يقول جل ثناؤه : حل بهم الذي كانوا به يستهزءون من البلاء والعذاب الذي كانت رسلهم تخوفهم نزوله بهم ، يستهزءون : يقول جل ثناؤه ، فلن يعدو هؤلاء المستهزؤون بك من هؤلاء الكفرة أن يكونوا كأسلافهم من الأمم المكذبة رسلها ، فينزل بهم من عذاب الله وسخطه باستهزائهم بك نظير الذي نزل بهم . القول في تأويل قوله تعالى : * ( قل من يكلؤكم بالليل والنهار من الرحمن بل هم عن ذكر ربهم معرضون ) * . يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ( ص ) : قل يا محمد لهؤلاء المستعجليك بالعذاب ، القائلين : متى هذا الوعد إن كنتم صادقين : من يكلؤكم أيها القوم ، يقول : من يحفظكم ويحرسكم بالليل إذا نمتم ، وبالنهار إذا تصرفتم من الرحمن ؟ يقول : من أمر الرحمن إن نزل بكم ، ومن عذابه إن حل بكم . وترك ذكر الامر وقيل من الرحمن اجتزاء بمعرفة السامعين لمعناه من ذكره .