محمد بن جرير الطبري

239

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

كحبة الماء بين الطي والشيد فالمشيد : إنما هو مفعول من الشيد ومنه قول امرئ القيس : وتيماء لم يترك بها جذع نخلة * ولا أطما إلا مشيدا بجندل يعني بذلك : إلا بالبناء بالشيد والجندل . وقد يجوز أن يكون معنيا بالمشيد : المرفوع بناؤه بالشيد ، فيكون الذين قالوا : عني بالمشيد الطويل نحوا بذلك إلى هذا التأويل ومنه قول عدي بن زيد : شاده مرمرا وجلله كلسا * فللطير في ذراه وكور وقد تأوله بعض أهل العلم بلغات العرب بمعنى المزين بالشيد من شدته أشيده : إذا زينته به ، وذلك شبيه بمعنى من قال مجصص . القول في تأويل قوله تعالى : * ( أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الابصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ) * . يقول تعالى ذكره : أفلم يسيروا هؤلاء المكذبون بآيات الله والجاحدون قدرته في البلاد ، فينظروا إلى مصارع ضربائهم من مكذبي رسل الله الذين خلوا من قبلهم ، كعاد وثمود وقوم لوط وشعيب ، وأوطانهم ومساكنهم ، فيتفكروا فيها ويعتبروا بها ويعلموا بتدبرهم أمرها وأمر أهلها سنة الله فيمن كفر وعبد غيره وكذب رسله ، فينيبوا من عتوهم وكفرهم ، ويكون لهم إذا تدبروا ذلك واعتبروا به وأنابوا إلى الحق قلوب يعقلون بها حجج الله على خلقه وقدرته على ما بينا ، أو آذان يسمعون بها يقول : أو آذان تصغي لسماع الحق فتعي ذلك وتميز بينه وبين الباطل . وقوله : فإنها لا تعمى الابصار يقول : فإنها لا تعمى أبصارهم أن يبصروا بها الاشخاص ويروها ، بل يبصرون ذلك بأبصارهم