محمد بن جرير الطبري

186

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

وقال آخرون : بل ذلك كل ما كان منهيا عنه من الفعل ، حتى قول القائل : لا والله ، وبلى والله . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن المثنى ، قال : ثنا محمد بن جعفر ، قال : ثنا شعبة ، عن منصور ، عن مجاهد ، عن عبد الله بن عمرو ، قال : كان له فسطاطان : أحدهما في الحل ، والآخر في الحرم ، فإذا أراد أن يعاتب أهله عاتبهم في الحل ، فسئل عن ذلك ، فقال : كنا نحدث أن من الالحاد فيه أن يقول الرجل : كلا والله ، وبلى والله . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا يعقوب ، عن أبي ربعي ، عن الأعمش ، قال : كان عبد الله بن عمرو يقول : لا والله وبلى والله من الالحاد فيه . قال أبو جعفر : وأولى الأقوال التي ذكرناها في تأويل ذلك بالصواب القول الذي ذكرناه عن ابن مسعود وابن عباس ، من أنه معني بالظلم في هذا الموضع كل معصية لله وذلك أن الله عم بقوله : ومن يرد فيه بإلحاد بظلم ولم يخصص به ظلم دون ظلم في خبر ولا عقل ، فهو على عمومه . فإذا كان ذلك كذلك ، فتأويل الكلام : ومن يرد في المسجد الحرام بأن يميل بظلم ، فيعصى الله فيه ، نذقه يوم القيامة من عذاب موجع له . وقد ذكر عن بعض القراء أنه كان يقرأ ذلك : ومن يرد فيه بفتح الياء ، بمعنى : ومن يرده بإلحاد من وردت المكان أرده . وذلك قراءة لا تجوز القراءة عندي بها لخلافها ما عليه الحجة من القراء مجمعة مع بعدها من فصيح كلام العرب . وذلك أن يرد فعل واقع ، يقال منه : هو يرد مكان كذا أو بلدة كذا غدا ، ولا يقال : يرد في مكان كذا . وقد زعم بعض أهل المعرفة بكلام العرب أن طيئا تقول : رغبت فيك ، تريد : رغبت بك ، وذكر أن بعضهم أنشده بيتا : وأرغب فيها عن لقيط ورهطه * ولكنني عن سنبس لست أرغب بمعنى : وأرغب بها . فإن كان ذلك صحيحا كما ذكرنا ، فإنه يجوز في الكلام ، فأما القراءة به غير جائزة لما وصفت . القول في تأويل قوله تعالى : * ( وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئا وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود ) * .