محمد بن جرير الطبري
125
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
وكأن ابن عباس إن كان قرأ ذلك كذلك ، أراد أنهم الذين تسجر بهم جهنم ويوقد بهم فيها النار وذلك أن كل ما هيجت به النار وأوقدت به ، فهو عند العرب حضب لها . فإذا كان الصواب من القراءة في ذلك ما ذكرنا ، وكان المعروف من معنى الحصب عند العرب : الرمي ، من قولهم : حصبت الرجل : إذا رميته ، كما قال جل ثناؤه : إنا أرسلنا عليهم حاصبا كان الأولى بتأويل ذلك قول من قال : معناه أنهم تقذف جهنم بهم ويرمى بهم فيها . وقد ذكر أن الحصب في لغة أهل اليمين : الحطب ، فإن يكن ذلك كذلك فهو أيضا وجه صحيح . وأما ما قلنا من أن معناه الرمي فإنه في لغة أهل نجد . وأما قوله : أنتم لها واردون فإن معناه : أنتم عليها أيها الناس أو إليها واردون ، يقول : داخلون . وقد بينت معنى الورود فيما مضى قبل بما أغني عن إعادته في هذا الموضع . القول في تأويل قوله تعالى : * ( لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها وكل فيها خالدون ) * . يقول تعالى ذكره لهؤلاء المشركين الذين وصف صفتهم أنهم ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون ، وهم مشركو قريش : أنتم أيها المشركون ، وما تعبدون من دون الله واردو جهنم ، ولو كان ما تعبدون من دون الله آلهة ما وردوها ، بل كانت تمنع من أراد أن يوردكموها إذ كنتم لها في الدنيا عابدين ، ولكنها إذ كانت لا نفع عندها لأنفسها ولا عندها دفع ضر عنها ، فهي من أن يكون ذلك عندها لغيرها أبعد ، ومن كان كذلك كان بينا بعده من الألوهة ، وأن الاله هو الذي يقدر على ما يشاء ولا يقدر عليه شئ ، فأما من كان مقدورا عليه فغير جائز أن يكون إلها . وقوله : وكل فيها خالدون يعني الآلهة ومن عبدها أنهم ماكثون في النار أبدا بغير نهاية وإنما معنى الكلام : كلكم فيها خالدون . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها وكل فيها خالدون قال : الآلهة التي عبد القوم ، قال : العابد والمعبود .