محمد بن جرير الطبري
24
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
ومأجوج . فأما الأمتان اللتان بينهما طول الأرض : فأمة عند مغرب الشمس ، يقال لها : ناسك . وأما الأخرى : فعند مطلعها يقال لها : منسك . وأما اللتان بينهما عرض الأرض ، فأمة في قطر الأرض الأيمن ، فقال لها : هاويل . وأما ، الأخرى التي في قطر الأرض الأيسر ، فأمة يقال لها : تأويل فلما قال الله له ذلك قال له ذو القرنين : إلهي إنك قد ندبتني لأمر عظيم لا يقدر قدره إلا أنت ، فأخبرني عن هذه الأمم التي بعثتني إليها ، بأي قوة أكابرهم ، وبأي جمع أكاثرهم ، وبأي حيلة أكايدهم ، وبأي صبر أقاسيهم ، وبأي لسان أناطقهم ، وكيف لي بأن أفقه لغاتهم ، وبأي سمع أعي قولهم ، وبأي بصر أنفذهم ، وبأي حجة أخاصمهم ، وبأي قلب أعقل عنهم ، وبأي حكمة أدبر أمرهم ، وبأي قسط أعدل بينهم ، وبأي حلم أصابرهم ، وبأي معرفة أفصل بينهم ، وبأي علم أتقن أمورهم ، وبأي يد أسطو عليهم ، وبأي رجل أطؤهم ، وبأي طاقة أخصمهم ، وبأي جند أقاتلهم ، وبأي رفق أستألفهم ، فإنه ليس عندي يا إلهي شئ مما ذكرت يقول لهم ، ولا يقوى عليهم ولا يطيقهم ، وأنت الرب الرحيم ، الذي لا يكلف نفسا إلا وسعها ، ولا تحملها إلا طاقتها ، ولا يعنتها ولا يفدحها ، بل أنت ترأفها وترحمها . قال الله عز وجل : إني سأطوقك ما حملتك ، أشرح لك صدرك ، فيسع كل شئ وأشرح لك فهمك فتفقه كل شئ ، وأبسط لك لسانك ، فتنطق بكل شئ ، وأفتح لك سمعك فتعي كل شئ ، وأمد لك بصرك ، فتنفذ كل شئ ، وأدبر لك أمرك فتتقن كل شئ ، وأحصي لك فلا يفوتك شئ ، وأحفظ عليك فلا يعزب عنك شئ ، وأشد لك ظهرك ، فلا يهدك شئ ، وأشد لك ركنك فلا يغلبك شئ ، وأشد لك قلبك فلا يروعك شئ ، وأسخر لك النور والظلمة ، فأجعلهما جندا من جنودك ، يهديك النور أمامك ، وتحوطك الظلمة من ورائك ، وأشد لك عقلك فلا يهولك شئ ، وأبسط لك من بين يديك ، فتسطو فوق كل شئ ، وأشد لك وطأتك ، فتهد كل شئ ، وألبسك الهيبة فلا يرومك شئ . ولما قيل له ذلك ، انطلق يؤم الأمة التي عند مغرب الشمس ، فلما بلغهم ، وجد جمعا وعددا لا يحصيه إلا الله ، وقوة وبأسا لا يطيقه إلا الله ، وألسنة مختلفة وأهواء متشتتة ، وقلوبا متفرقة فلما رأى ذلك كاثرهم بالظلمة ، فضرب حولهم ثلاثة عساكر منها ، فأحاطتهم من كل مكان ، وحاشتهم حتى جمعتهم في مكان واحد ، ثم أخذ عليه بالنور ، فدعاهم إلى الله وإلى عبادته ، فمنهم من آمن له ، ومنهم من صد ، فعمد إلى الذين تولوا