محمد بن جرير الطبري
22
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة ، في قوله : بين السدين قال : هما جبلان . وقوله وجد من دونهما قوما لا يكادون يفقهون قولا يقول عز ذكره : وجد من دون السدين قوما لا يكادون يفقهون قول القائل سوى كلامهم . وقد اختلفت القراء في قراءة قوله يفقهون فقرأته عامة قراء أهل المدينة والبصرة وبعض أهل الكوفة يفقهون قولا بفتح القاف والياء ، من فقه الرجل يفقه فقها . وقرأ ذلك عامة قراء أهل الكوفة يفقهون قولا بضم الياء وكسر القاف : من أفقهت فلانا كذا أفقهه إفقاها : إذا فهمته ذلك . والصواب عندي من القول في ذلك ، أنهما قراءتان مستفيضتان في قراءة الأمصار ، غير دافعة إحداهما الأخرى وذلك أن القوم الذين أخبر الله عنهم هذا الخبر جائز أن يكونوا لا يكادون يفقهون قولا لغيرهم عنهم ، فيكون صوابا القراءة بذلك . وجائز أن يكونوا مع كونهم كذلك كانوا لا يكادون أن يفقهوا غيرهم لعلل : إما بألسنتهم ، وإما بمنطقهم ، فتكون القراءة بذلك أيضا صوابا . وقوله : إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض اختلفت القراء في قراءة قوله إن يأجوج ومأجوج فقرأت القراء من أهل الحجاز والعراق وغيرهم : إن يأجوج ومأجوج بغير همز على فاعول من يججت ومججت ، وجعلوا الألفين فيهما زائدتين ، غير عاصم بن أبي النجود والأعرج ، فإنه ذكر أنهما قرآ ذلك بالهمز فيهما جميعا ، وجعلا الهمز فيهما من أصل الكلام ، وكأنهما جعلا يأجوج : يفعول من أججت ، ومأجوج : مفعول . والقراءة التي هي القراءة الصحيحة عندنا ، أن يأجوج ومأجوج بألف بغير همز لاجماع الحجة من القراء عليه ، وأنه الكلام المعروف على ألسن العرب ومنه قول رؤبة بن العجاج . لو أن يأجوج ومأجوج معا * وعاد عادوا واستجاشوا تبعا وهم أمتان من وراء السد . وقوله : مفسدون في الأرض اختلف أهل التأويل في معنى الافساد الذي وصف الله به هاتين الأمتين ، فقال بعضهم : كانوا يأكلون الناس . ذكر من قال ذلك :