محمد بن جرير الطبري
11
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
الأسباب التي من أجلها فعلت الأفعال التي استنكرتها مني ، تأويل . يقول : ما تؤول إليه وترجع الأفعال التي لم تسطع على ترك مسألتك إياي عنها ، وإنكارك لها صبرا . وهذه القصص التي أخبر الله عز وجل نبيه محمد ( ص ) بها عن موسى وصاحبه ، تأديب منه له ، وتقدم إليه بترك الاستعجال بعقوبة المشركين الذين كذبوه واستهزؤوا به وبكتابه ، وإعلام منه له أن أفعاله بهم وإن جرت فيما ترى الأعين بما قد يجري مثله أحيانا لأوليائه ، فإن تأويله صائر بهم إلى أحوال أعدائه فيها ، كما كانت أفعال صاحب موسى واقعة بخلاف الصحة في الظاهر عند موسى ، إذ لم يكن عالما بعواقبها ، وهي ماضية على الصحة في الحقيقة وائلة إلى الصواب في العاقبة ، ينبئ عن صحة ذلك قوله : وربك الغفور ذو الرحمة لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلا . ثم عقب ذلك بقصة موسى وصاحبه ، يعلم نبيه أن تركه جل جلاله تعجيل العذاب لهؤلاء المشركين ، بغير نظر منه لهم ، وإن كان ذلك فيما يحسب من لا علم له بما الله مدبر فيهم ، نظرا منه لهم ، لان تأويل ذلك صائر إلى هلاكهم وبوارهم بالسيف في الدنيا واستحقاقهم من الله في الآخرة الخزي الدائم . القول في تأويل قوله تعالى : * ( ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلوا عليكم منه ذكرا إنا مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شئ سببا فأتبع سببا ) * . يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ( ص ) : ويسألك يا محمد هؤلاء المشركون عن ذي القرنين ما كان شأنه ، وما كانت قصته ، فقل لهم : سأتلو عليكم من خبره ذكرا يقول : سأقص عليكم منه خبرا . وقد قيل : إن الذين سألوا رسول الله ( ص ) عن أمر ذي القرنين ، كانوا قوما من أهل الكتاب . فأما الخبر بأن الذين سألوه عن ذلك كانوا مشركي قومه فقد ذكرناه قبل . وأما الخبر بأن الذين سألوه ، كانوا قوما من أهل الكتاب . 17546 - فحدثنا به أبو كريب ، قال : ثنا زيد بن حباب عن ابن لهيعة ، قال : ثني عبد الرحمن بن زياد بن أنعم عن شيخين من نجيب ، قال : أحدهما لصاحبه : انطلق بنا إلى عقبة بن عامر نتحدث ، قالا : فأتياه فقالا : جئنا لتحدثنا ، فقال : كنت يوما أخدم رسول الله ( ص ) ، فخرجت من عنده ، فلقيني قوم من أهل الكتاب ، فقالوا : نريد أن نسأل