محمد بن جرير الطبري
98
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
إلى أن نبي الله ( ص ) أمر بمنعهم ما سألوه ، لينيبوا من معاصي الله ، ويتوبوا بمنعه إياهم ما سألوه ، فيكون ذلك وجها يحتمله تأويل الآية ، وإن كان لقول أهل التأويل مخالفا . القول في تأويل قوله تعالى * ( ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا ) * . وهذا مثل ضربه الله تبارك وتعالى للممتنع من الانفاق في الحقوق التي أوجبها في أموال ذوي الأموال ، فجعله كالمشدودة يده إلى عنقه ، الذي لا يقدر على الاخذ بها والاعطاء . وإنما معنى الكلام : ولا تمسك يا محمد يدك بخلا عن النفقة في حقوق الله ، فلا تنفق فيها شيئا إمساك المغلولة يده إلى عنقه ، الذي لا يستطيع بسطها ولا تبسطها كل البسط يقول : ولا تبسطها بالعطية كل البسط ، فتبقى لا شئ عندك ، ولا تجد إذا سئلت شيئا تعطيه سائلك فتقعد ملوما محسورا يقول : فتقعد يلومك سائلوك إذا لم تعطهم حين سألوك ، وتلومك نفسك على الاسراع في مالك وذهابه ، محسورا يقول : معيبا ، قد انقطع بك ، لا شئ عندك تنفقه . وأصله من قولهم للدابة التي قد سير عليها حتى انقطع سيرها ، وكلت ورزحت من السير ، بأنه حسير . يقال منه : حسرت الدابة فأنا أحسرها ، وأحسرها حسرا ، وذلك إذا أنضيته بالسير وحسرته بالمسألة إذا سألته فألحفت وحسر البصر فهو يحسر ، وذلك إذا بلغ أقصى المنظر فكل . ومنه قوله عز وجل : ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير ( الملك : 4 ) وكذلك ذلك في كل شئ كل وأزحف حتى يضنى . وبنحو الذي قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : 16805 - حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا هودة ، قال : ثنا عوف ، عن الحسن ، في قوله ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك قال : لا تجعلها مغلولة عن النفقة ولا تبسطها : تبذر بسرف . 16806 - حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا يوسف بن بهز ، قال : ثنا حوشب ، قال : كان الحسن إذا تلا هذه الآية ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد