محمد بن جرير الطبري
61
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
الحسن أولى بالصواب في ذلك . وقد زعم بعض أهل العربية من أهل البصرة أن ذلك جائز ، ولا أعلم لما قال وجها يصح إلا بعيدا وهو أن يقال : جاء حصير بمعنى حاصر ، كما قيل : عليم بمعنى عالم ، وشهيد بمعنى شاهد ، ولم يسمع ذلك مستعملا في الحاصر كما سمعنا في عالم وشاهد . القول في تأويل قوله تعالى : * ( إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا ئ وأن الذين لا يؤمنون بالآخرة اعتدنا لهم عذابا أليما ) * . يقول تعالى ذكره : إن هذا القرآن الذي أنزلناه على نبينا محمد ( ص ) يرشد ويسدد من اهتدى به للتي هي أقوم يقول : للسبيل التي هي أقوم من غيرها من السبل ، وذلك دين الله الذي بعث به أنبياءه وهو الاسلام . يقول جل ثناؤه : فهذا القرآن يهدي عباد الله المهتدين به إلى قصد السبيل التي ضل عنها سائر أهل الملل المكذبين به ، كما : 16692 - حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم قال : للتي هي أصوب : هو الصواب وهو الحق قال : والمخالف هو الباطل . وقرأ قول الله تعالى : فيها كتب قيمة قال : فيها الحق ليس فيها عوج . وقرأ ولم نجعل له عوجا قيما يقول : قيما مستقيما . وقوله : ويبشر المؤمنين يقول : ويبشر أيضا مع هدايته من اهتدى به للسبيل الأقصد الذين يؤمنون بالله ورسوله ، ويعملون في دنياهم بما أمرهم الله به ، وينتهون عما نهاهم عنه بأن لهم أجرا من الله على إيمانهم وعملهم الصالحات كبيرا يعني ثوابا عظيما ، وجزاء جزيلا ، وذلك هو الجنة التي أعدها الله تعالى لمن رضي عمله ، كما : 16693 - حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج أن لهم أجرا كبيرا قال : الجنة ، وكل شئ في القرآن أجر كبير ، أجر كريم ، ورزق كريم فهو الجنة ، وأن في قوله : أن لهم أجرا كبيرا نصب بوقوع البشارة عليها وأن الثانية معطوفة عليها . وقوله : ( وأن الذين لا يؤمنون بالآخرة ) يقول تعالى ذكره : وأن الذين لا يصدقون بالمعاد إلى الله ، ولا يقرون بالثواب والعقاب في الدنيا ، فهم لذلك لا يتحاشون من ركوب