محمد بن جرير الطبري

43

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

إلى الملك ، وأمرتها أن تسقيه ، وأن تعرض له نفسها ، فإن أرادها على نفسها أبت عليه حتى يعطيها ما سألته ، فإذا أعطاها ذلك سألته أن يأتي برأس يحيى بن زكريا في طست ، ففعلت ، فجعلت تسقيه وتعرض له نفسها فلما أخذ فيه الشراب أرادها على نفسها ، فقالت : لا أفعل حتى تعطيني ما أسألك ، فقال : ما الذي تسأليني ؟ قالت : أسألك أن تبعث إلى يحيى بن زكريا ، فأؤتى برأسه في هذا الطست ، فقال : ويحك سليني غير هذا ، فقالت له : ما أريد أن أسألك إلا هذا . قال : فلما ألحت عليه بعث إليه ، فأتى برأسه ، والرأس يتكلم حتى وضع بين يديه وهو يقول : لا يحل لك ذلك فلما أصبح إذا دمه يغلي ، فأمر بتراب فألقى عليه ، فرقى الدم فوق التراب يغلي ، فألقى عليه التراب أيضا ، فارتفع الدم فوقه فلم يزل يلقي عليه التراب حتى بلغ سور المدينة وهو يغلى وبلغ صيحابين ، فثار في الناس ، وأراد أن يبعث عليهم جيشا ، ويؤمر عليهم رجلا ، فأتاه بختنصر وكلمه وقال : إن الذي كنت أرسلته تلك المرة ضعيف ، وإني قد دخلت المدينة وسمعت كلام أهلها ، فابعثني ، فبعثه ، فسار بخت نصر حتى إذا بلغوا ذلك المكان تحصنوا منه في مدائنهم ، فلم يطقهم ، فلما اشتد عليهم المقام وجاع أصحابه ، أرادوا الرجوع ، فخرجت إليهم عجوز من عجائز بني إسرائيل فقالت : أين أمير الجند ؟ فأتى بها إليه ، فقالت له : إنه بلغني أنك تريد أن ترجع بجندك قبل أن تفتح هذه المدينة ، قال : نعم ، قد طال مقامي ، وجاع أصحابي ، فلست أستطيع المقام فوق الذي كان مني ، فقالت : أرأيتك إن فتحت لك المدينة أتعطيني ما سألتك ، وتقتل من أمرتك بقتله ، وتكف إذا أمرتك أن تكف ؟ قال : نعم ، قالت : إذا أصبحت فاقسم جندك أربعة أرباع ، ثم أقم على كل زاوية ربعا ، ثم ارفعوا بأيديكم إلى السماء فنادوا : إنا نستفتحك يا الله بدم يحيى بن زكريا ، فإنها سوف تساقط ففعلوا ، فتساقطت المدينة ، ودخلوا من جوانبها ، فقالت له : اقتل على هذا الدم حتى يسكن ، وانطلقت به إلى دم يحيى وهو على تراب كثير ، فقتل عليه حتى سكن سبعين ألفا وامرأة فلما سكن الدم قالت له : كف يدك ، فإن الله تبارك وتعالى إذا قتل نبي لم يرض ، حتى يقتل من قتله ، ومن رضي قتله ، وأتاه صاحب الصحيفة بصحيفته ، فكف عنه وعن أهل بيته ، وخرب بيت المقدس ، وأمر به أن تطرح فيه الجيف ، وقال : من طرح فيه جيفة فله جزيته تلك السنة ، وأعانه على خرابه الروم من أجل أن بني إسرائيل قتلوا يحيى ، فلما خربه بختنصر ذهب معه بوجوه بني إسرائيل وأشرافهم ، وذهب بدانيال وعليا وعزاريا وميشائيل ، هؤلاء كلهم من أولاد الأنبياء وذهب معه برأس جالوت فلما قدم أرض بابل وجد صحابين قد مات ، فملك مكانه ، وكان أكرم الناس عليه دانيال وأصحابه ، فحسدهم المجوس على