محمد بن جرير الطبري
275
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
أراهم أبدا وقد كنا تواثقنا أن لا نفترق في حياة ولا موت أبدا . يا ليت شعري ما هو فاعل بي ؟ أقاتلي هو أم لا ؟ ذلك الذي يحدث به يمليخا نفسه فيما أخبر أصحابه حين رجع إليهم . فلما انتهى إلى الرجلين الصالحين أريوس وأسطيوس ، فلما رأى يمليخا أنه لم يذهب به إلى دقينوس ، أفاق وسكن عنه البكاء فأخذ أريوس وأسطيوس الورق فنظرا إليها وعجبا منها ، ثم قال أحدهما : أين الكنز الذي وجدت يا فتى ؟ هذا الورق يشهد عليك أنك قد وجدت كنزا فقال لهما يمليخا : ما وجدت كنزا ولكن هذه الورق ورق آبائي ، ونقش هذه المدينة وضربها ، ولكن والله ما أدري ما شأني ، وما أدري ما أقول لكم فقال له أحدهما : ممن أنت ؟ فقال له يمليخا : ما أدري ، فكنت أرى أني من أهل هذه القرية ، قالوا : فمن أبوك ومن يعرفك بها ؟ فأنبأهم باسم أبيه ، فلم يجدوا أحدا يعرفه ولا أباه فقال له أحدهما : أنت رجل كذاب لا تنبئنا بالحق فلم يدر يمليخا ما يقول لهم ، غير أنه نكس بصره إلى الأرض . فقال له بعض من حوله : هذا رجل مجنون فقال بعضهم : ليس بمجنون ، ولكنه يحمق نفسه عمدا لكي ينفلت منكم فقال له أحدهما ، ونظر إليه نظرا شديدا : أتظن أنك إذ تتجانن نرسلك ونصدقك بأن هذا مال أبيك ، وضرب هذه الورق ونقشها منذ أكثر من ثلاث مئة سنة ؟ وإنما أنت غلام شاب تظن أنك تأفكنا ، ونحن شمط كما ترى ، وحولك سراة أهل المدينة ، وولاة أمرها ، إني لأظنني سآمر بك فتعذب عذابا شديدا ، ثم أوثقك حتى تعترف بهذا الكنز الذي وجدت . فلما قال ذلك ، قال يمليخا : أنبئوني عن شئ أسألكم عنه ، فإن فعلتم صدقتكم عما عندي أرأيتم دقينوس الملك الذي كان في هذه المدينة عشية أمس ما فعل ؟ فقال له الرجل : ليس على وجه الأرض رجل اسمه دقينوس ، ولم يكن إلا ملك قد هلك منذ زمان ودهر طويل ، وهلكت بعده قرون كثيرة فقال له يمليخا : فوالله إني إذا لحيران ، وما هو بمصدق أحد من الناس بما أقول والله لقد علمت ، لقد فررنا من الجبار دقينوس ، وإني قد رأيته عشية أمس حين دخل مدينة أفسوس ، ولكن لا أدري أمدينة أفسوس هذه أم لا ؟ فانطلقا معي إلى الكهف الذي في جبل بنجلوس أريكم أصحابي . فلما سمع أريوس ما يقول يمليخا قال : يا قوم لعل هذه آية من آيات الله جعلها لكم على يدي هذا الفتى ، فانطلقوا بنا معه يرنا أصحابه ، كما قال . فانطلق معه أريوس وأسطيوس ، وانطلق معهم أهل المدينة كبيرهم وصغيرهم ، نحو أصحاب الكهف لينظروا إليهم .