محمد بن جرير الطبري
234
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا ) قال : السبيل بين ذلك الذي سن له جبرائيل من الصلاة التي عليها المسلمون . قال : وكان أهل الكتاب يخافتون ، ثم يجهر أحدهم بالحرف ، فيصيح به ، ويصيحون هم به وراءه ، فنهى أن يصيح كما يصيح هؤلاء ، الصلاة . وأولى الأقوال في ذلك بالصحة ، ما ذكرنا عن ابن عباس في الخبر الذي رواه أبو جعفر ، عن سعيد ، عن ابن عباس ، لان ذلك أصح الأسانيد التي روي عن صحابي فيه قول مخرجا ، وأشبه الأقوال بما دل عليه ظاهر التنزيل ، وذلك أن قوله : ( ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها ) عقيب قوله ( قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى ) وعقيب تقريع الكفار بكفرهم بالقرآن ، وذلك بعدهم منه ومن الايمان . فإذا كان ذلك كذلك ، فالذي هو أولى وأشبه بقوله ( ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها ) أن يكون من سبب ما هو في سياقه من الكلام ، ما لم يأت بمعنى يوجب صرفه عنه ، أو يكون على انصرافه دليل يعلم به الانصراف عما هو في سياقه . فإذا كان ذلك كذلك ، فتأويل الكلام : قل ادعوا الله ، أو ادعوا الرحمن ، أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى ، ولا تجهر يا محمد بقراءتك في صلاتك ودعائك فيها ربك ومسألتك إياه ، وذكرك فيها ، فيؤذيك بجهرك بذلك المشركون ، ولا تخافت بها فلا يسمعها أصحابك ، ( وابتغ بين ذلك سبيلا ) ولكن التمس بين الجهر والمخافتة طريقا إلى أن تسمع أصحابك ولا يسمعه المشركون فيؤذوك . ولولا أن أقوال أهل التأويل مضت بما ذكرت عنهم من التأويل ، وأنا لا نستجير خلافهم فيما جاء عنهم ، لكان وجها يحتمله التأويل أن يقال : ولا تجهر بصلاتك التي أمرناك بالمخافتة بها ، وهي صلاة النهار لأنها عجماء ، لا يجهر بها ، ولا تخافت بصلاتك التي أمرناك بالجهر بها ، وهي صلاة النهار لأنها عجماء ، لا يجهر بها ، ولا تخافت بصلاتك التي أمرناك بالجهر بها ، وهي صلاة الليل ، فإنها يجهر بها ( وابتغ بين ذلك سبيلا ) بأن تجهر بالتي أمرناك بالجهر بها ، وتخافت بالتي أمرناك بالمخافتة بها لا تجهر بجميعها ، ولا تخافت بكلها ، فكان ذلك وجها غير بعيد من الصحة ، ولكنا لا نرى ذلك صحيحا لاجماع الحجة من أهل التأويل على خلافه . فإن قال قائل : فأية قراءة هذه التي بين الجهر والمخافتة ؟ قيل : 17220 - حدثني مطر بن محمد ، قال : ثنا قتيبة ، ووهب بن جرير ، قالا : ثنا شعبة ، عن الأشعث بن سليم ، عن الأسود بن هلال ، قال : قال عبد الله : لم يخافت من أسمع أذينة .