محمد بن جرير الطبري
113
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
وقوله : كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها فإن القراء اختلفت فيه ، فقرأه بعض قراء المدينة وعامة قراء الكوفة كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها على الإضافة بمعنى : كل هذا الذي ذكرنا من هذه الأمور التي عددنا من مبتدأ قولنا وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه . . . إلى قولنا ولا تمش في الأرض مرحا كان سيئه يقول : سيئ ما عددنا عليك عند ربك مكروها . وقال قارئو هذه القراءة : إنما قيل كل ذلك كان سيئه بالإضافة ، لان فيما عددنا من قوله وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه أمورا ، هي أمر بالجميل ، كقوله وبالوالدين إحسانا ، وقوله وآت ذا القربى حقه وما أشبه ذلك ، قالوا : فليس كل ما فيه نهيا عن سيئة ، بل فيه نهى عن سيئة ، وأمر بحسنات ، فلذلك قرأنا سيئه . وقرأ عامة قراء أهل المدينة والبصرة وبعض قراء الكوفة : كل ذلك كان سيئة وقالوا : إنما عنى بذلك : كل ما عددنا من قولنا ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق ولم يدخل فيه ما قبل ذلك . قالوا : وكل ما عددنا من ذلك الموضع إلى هذا الموضع سيئة لا حسنة فيه ، فالصواب قراءته بالتنوين . ومن قرأ هذه القراءة ، فإنه ينبغي أن يكون من نيته أن يكون المكروه مقدما على السيئة ، وأن يكون معنى الكلام عنده : كل ذلك كان مكروها سيئة لأنه إن جعل قوله : مكروها بعد السيئة من نعت السيئة ، لزمه أن تكون القراءة : كل ذلك كان سيئة عند ربك مكروهة ، وذلك خلاف ما في مصاحف المسلمين . وأولى القراءتين عندي في ذلك بالصواب قراءة من قرأ كل ذلك كان سيئه على إضافة السيئ إلى الهاء ، بمعنى : كل ذلك الذي عددنا من وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه . . . كان سيئه لان في ذلك أمورا منهيا عنها ، وأمورا مأمورا بها ، وابتداء الوصية والعهد من ذلك الموضع دون قوله ولا تقتلوا أولادكم إنما هو عطف على ما تقدم من قوله وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه فإذا كان ذلك كذلك ، فقرأته بإضافة السيئ إلى الهاء أولى وأحق من قراءته سيئة بالتنوين ، بمعنى السيئة الواحدة . فتأويل الكلام إذن : كل هذا الذي ذكرنا لك من الأمور التي عددناها عليك كان سيئه مكروها عند ربك يا محمد ، يكرهه وينهى عنه ولا يرضاه ، فاتق مواقعته والعمل به . القول في تأويل قوله تعالى * ( ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة ولا تجعل مع الله إلها آخر فتلقى في جهنم ملوما مدحورا ) * .