محمد بن جرير الطبري
42
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ( ص ) : واذكر يا محمد إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من صلصال من حمأ مسنون فإذا سويته يقول : فإذا صورته فعدلت صورته ونفخت فيه من روحي فصار بشرا حيا فقعوا له ساجدين سجود تحية وتكرمة لا سجود عبادة . وقد : حدثني جعفر بن مكرم ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا شبيب بن بشر ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : لما خلق الله الملائكة قال : إني خالق بشرا من طين ، فإذا أنا خلقته فاسجدوا له فقالوا : لا نفعل . فأرسل عليهم نارا فأحرقتهم . وخلق ملائكة أخرى ، فقال : إني خالق بشرا من طين ، فإذا أنا خلقته فاسجدوا له فأبوا ، قال : فأرسل عليهم نارا فأحرقتهم . ثم خلق ملائكة أخرى ، فقال : إني خالق بشرا من طين ، فإذا أنا خلقته فاسجدوا له فأبوا ، فأرسل عليهم نارا فأحرقتهم . ثم خلق ملائكة ، فقال : إني خالق بشرا من طين ، فإذا أنا خلقته فاسجدوا له فقالوا : سمعنا وأطعنا . إلا إبليس كان من الكافرين الأولين . القول في تأويل قوله تعالى : ( فسجد الملائكة كلهم أجمعون ئ إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين ئ قال يا إبليس ما لك ألا تكون مع الساجدين ) يقول تعالى ذكره : فلما خلق الله ذلك البشر ونفخ فيه الروح بعد أن سواه ، سجد الملائكة كلهم جميعا إلا إبليس ، فإنه أبى أن يكون مع الساجدين في سجودهم لآدم حين سجدوا ، فلم يسجد له معهم تكبرا وحسدا وبغيا ، فقال الله تعالى ذكره : يا إبليس ما لك ألا تكون مع الساجدين يقول : ما منعك من أن تكون مع الساجدين ؟ ف " أن " في قول بعض نحويي الكوفة خفض ، وفي قول بعض أهل البصرة نصب بفقد الخافض . القول في تأويل قوله تعالى : ( قال لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمأ مسنون ئ قال فأخرج منها فإنك رجيم ئ وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين )