محمد بن جرير الطبري

236

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

* ( من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالايمان ولكن من شرح بالكفر صدر فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم ) * . اختلف أهل العربية في العامل في من من قوله : من كفر بالله ومن قوله : ولكن من شرح بالكفر صدرا ، فقال بعض نحويي البصرة : صار قوله : فعليهم خبرا لقوله : ولكن من شرح بالكفر صدرا ، وقوله : من كفر بالله من بعد إيمانه فأخبر لهم بخبر واحد ، وكان ذلك يدل على المعنى . وقال بعض نحويي الكوفة : إنما هذان جزءان اجتمعا ، أحدهما منعقد بالآخر ، فجوابهما واحد كقول القائل : من يأتنا فمن يحسن نكرمه ، بمعنى : من يحسن ممن يأتنا نكرمه . قال : وكذلك كل جزأين اجتمعا الثاني منعقد بالأول ، فالجواب لهما واحد . وقال آخر من أهل البصرة : بل قوله : من كفر بالله مرفوع بالرد على الذين في قوله : إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله ومعنى الكلام عنده : إنما يفتري الكذب من كفر بالله من بعد إيمانه ، إلا من أكره من هؤلاء وقلبه مطمئن بالايمان . وهذا قول لا وجه له وذلك أن معنى الكلام لو كان كما قال قائل هذا القول ، لكان الله تعالى ذكره قد أخرج ممن افترى الكذب في هذه الآية الذين ولدوا على الكفر وأقاموا عليه ولم يؤمنوا قط ، وخص به الذين قد كانوا آمنوا في حال ، ثم راجعوا الكفر بعد الايمان والتنزيل يدل على أنه لم يخصص بذلك هؤلاء دون سائر المشركين الذين كانوا على الشرك مقيمين ، وذلك أنه تعالى أخبر خبر قوم منهم أضافوا إلى رسول الله ( ص ) افتراء الكذب ، فقال : وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر ، بل أكثرهم لا يعلمون وكذب جميع المشركين بافترائهم على الله وأخبر أنهم أحق بهذه الصفة من رسول الله ( ص ) ، فقال : إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون . ولو كان الذين عنوا بهذه الآية هم الذين كفروا بالله من بعد إيمانهم ، وجب أن يكون القائلون لرسول الله ( ص ) إنما أنت مفتر حين بدل الله آية مكان آية ، كانوا هم الذين كفروا بالله بعد الايمان خاصة دون غيرهم من سائر المشركين لأن هذه في سياق الخبر عنهم ، وذلك قول إن قاله قائل فبين فساده مع خروجه عن تأويل جميع أهل العلم بالتأويل .