محمد بن جرير الطبري

229

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

وإنما قلنا ذلك أولى التأويلات بالآية لان الله تعالى ذكره أتبع هذا القول : فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم وقال في موضع آخر : وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم فكان بينا بذلك أنه إنما ندب عباده إلى الاستعاذة منه في هذه الأحوال ليعيذهم من سلطانه . وأما قوله : والذين هم به مشركون فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله ، فقال بعضهم فيه بما قلنا إن معناه : والذين هم بالله مشركون . ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى وحدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء وحدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل وحدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الله ، عن ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : والذين هم به مشركون قال : يعدلون برب العالمين . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد : والذين هم به مشركون قال : يعدلون بالله . حدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ ، قال : ثنا عبيد بن سليمان ، قال : سمعت الضحاك يقول : في قوله : والذين هم به مشركون عدلوا إبليس بربهم ، فإنهم بالله مشركون . وقال آخرون : معنى ذلك : والذين هم به مشركون ، أشركوا الشيطان في أعمالهم . ذكر من قال ذلك : حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الله بن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع : والذين هم به مشركون أشركوه في أعمالهم . والقول الأول ، أعني قول مجاهد ، أولى القولين في ذلك بالصواب وذلك أن الذين يتولون الشيطان إنما يشركونه بالله في عبادتهم وذبائحهم ومطاعمهم ومشاربهم ، لا أنهم يشركون بالشيطان . ولو كان معنى الكلام ما قاله الربيع ، لكان التنزيل : الذين هم مشركوه ولم يكن في الكلام به ، فكان يكون لو كان التنزيل كذلك : والذين هم مشركوه في أعمالهم ، إلا أن يوجه موجه معنى الكلام إلى أن القوم كانوا يدينون بألوهة الشيطان