محمد بن جرير الطبري
186
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
والشجر والعروش ، وأخرج من بطونها ما أخرج من الشفاء للناس ، أنه الواحد الذي ليس كمثله شئ ، وأنه لا ينبغي أن يكون له شريك ولا تصح الألوهة إلا له . القول في تأويل قوله تعالى : * ( والله خلقكم ثم يتوفاكم ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكي لا يعلم بعد علم شيئا إن الله عليم قدير ) * . يقول تعالى ذكره : والله خلقكم أيها الناس وأوجدكم ولم تكونوا شيئا ، لا الآلهة التي تعبدون من دونه ، فاعبدوا الذي خلقكم دون غيره . ثم يتوفاكم يقول : ثم يقبضكم . ومنكم من يرد إلى أرذل العمر يقول : ومنكم من يهرم فيصير إلى أرذل العمر ، وهو أردؤه ، يقال منه : رذل الرجل وفسل ، يرذل رذالة ورذولة ورذلته أنا . وقيل : إنه يصير كذلك في خمس وسبعين سنة . حدثني محمد بن إسماعيل الفزاري ، قال : أخبرنا محمد بن سوار ، قال : ثنا أسد بن عمران ، عن سعد بن طريف ، عن الأصبغ بن نباتة ، عن علي ، في قوله : ومنكم من يرد إلى أرذل العمر قال : خمس وسبعون سنة . وقوله : لكي لا يعلم بعد علم شيئا يقول : إنما نرده إلى أرذل العمر ليعود جاهلا كما كان في حال طفولته وصباه . بعد علم شيئا يقول : لئلا يعلم شيئا بعد علم كان يعلمه في شبابه ، فذهب ذلك بالكبر ونسي ، فلا يعلم منه شيئا ، وانسلخ من عقله ، فصار من بعد عقل كان له لا يعقل شيئا . إن الله عليم قدير يقول : إن الله لا ينسى ولا يتغير علمه ، عليم بكل ما كان ويكون ، قدير على ما شاء ، لا يجهل شيئا ولا يعجزه شئ أراده . القول في تأويل قوله تعالى : * ( والله فضل بعضكم على بعض في الرزق فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فهم فيه سواء أفبنعمة الله يجحدون ) * . يقول تعالى ذكره : والله أيها الناس فضل بعضكم على بعض في الرزق الذي رزقكم في الدنيا ، فما الذين فضلهم الله على غيرهم بما رزقهم برادي رزقهم على ما ملكت