محمد بن جرير الطبري
171
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
يقول تعالى ذكره مقسما بنفسه عز وجل لنبيه محمد ( ص ) : والله يا محمد لقد أرسلنا رسلا من قبلك إلى أممها بمثل ما أرسلناك إلى أمتك من الدعاء إلى التوحيد لله وإخلاص العبادة له والاذعان له بالطاعة وخلع الأنداد والآلهة . فزين لهم الشيطان أعمالهم يقول : فحسن لهم الشيطان ما كانوا عليه من الكفر بالله وعبادة الأوثان مقيمين ، حتى كذبوا رسلهم ، وردوا عليهم ما جاؤوهم به من عند ربهم . فهو وليهم اليوم يقول : فالشيطان ناصرهم اليوم في الدنيا ، وبئس الناصر . ولهم عذاب أليم في الآخرة عند ورودهم على ربهم ، فلا ينفعهم حينئذ ولاية الشيطان ، ولا هي نفعتهم في الدنيا بل ضرتهم فيها وهي لهم في الآخرة أضر . القول في تأويل قوله تعالى : ( وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون ) . يقول تعالى ذكره لنبيه ( ص ) : وما أنزلنا يا محمد عليك كتابنا وبعثناك رسولا إلى خلقنا إلا لتبين لهم ما اختلفوا فيه من دين الله ، فتعرفهم الصواب منه والحق من الباطل ، وتقيم عليهم بالصواب منه حجة الله الذي بعثك بها . وقوله : وهدى ورحمة لقوم يؤمنون يقول : وهدى بيانا من الضلالة ، يعني بذلك الكتاب ، ورحمة لقوم يؤمنون به ، فيصدقون بما فيه ، ويقرون بما تضمن من أمر الله ونهيه ، ويعملون به . وعطف بالهدى على موضع ليبين ، لان موضعها نصب . وإنما معنى الكلام : وما أنزلنا عليك الكتاب إلا بيانا للناس فيما اختلفوا فيه هدى ورحمة . القول في تأويل قوله تعالى : ( والله أنزل من السماء ماء فأحيى به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآية لقوم يسمعون ) يقول تعالى ذكره منبه خلقه على حججه عليهم في توحيده ، وأنه لا تنبغي الألوهة إلا له ، ولا تصلح العبادة لشئ سواه : أيها الناس معبودكم الذي له العبادة دون كل شئ ، أنزل من السماء ماء يعني : مطرا ، يقول : فأنبت بما أنزل من ذلك الماء من السماء الأرض الميتة التي لا زرع بها ولا عشب ولا نبت بعد موتها بعد ما هي ميتة لا شئ