محمد بن جرير الطبري
286
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
والصواب من القول في ذلك ما ثبت به الخبر عن رسول الله ( ص ) في ذلك ، وهو أن معناه : يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا ، وذلك تثبيته إياهم في الحياة الدنيا بالايمان بالله وبرسوله محمد ( ص ) ، وفي الآخرة بمثل الذي ثبتهم به في الحياة الدنيا ، وذلك في قبورهم حين يسألون عن الذي هم عليه من التوحيد والايمان برسوله ( ص ) . وأما قوله : ويضل الله الظالمين فإنه يعني أن الله لا يوفق المنافق والكافر في الحياة الدنيا وفي الآخرة عند المسألة في القبر لما هدي له من الايمان المؤمن بالله ورسوله ( ص ) . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، قال : أما الكافر فتنزل الملائكة إذا حضره الموت ، فيبسطون أيديهم والبسط : هو الضرب يضربون وجوههم وأدبارهم عند الموت . فإذا أدخل قبره أقعد ، فقيل له : من ربك ؟ فلم يرجع إليهم شيئا ، وأنساه الله ذكر ذلك ، وإذا قيل له : من الرسول الذي بعث إليك ؟ لم يهتد له ولم يرجع إليه شيئا . يقول : ويضل الله الظالمين . حدثني المثنى ، قال : ثنا فهد بن عوف أبو ربيعة ، قال : ثنا أبو عوانة ، عن الأعمش ، عن المنهال بن عمرو ، عن زاذان ، عن البراء ، قال : قال رسول الله ( ص ) ، وذكر الكافر حين تقبض روحه ، قال : فتعاد روحه في جسده ، قال : فيأتيه ملكان شديدا الانتهار ، فيجلسانه فينتهرانه ، فيقولان له : من ربك ؟ فيقول : لا أدري ، قال : فيقولان له : ما دينك ؟ فيقول : لا أدري ، قال : فيقال له : ما هذا النبي الذي بعث فيكم ؟ قال : فيقول : سمعت الناس يقولون ذلك ، لا أدري ، قال : فيقولان : لا دريت قال : وذلك قول الله ويضل الله الظالمين ، ويفعل الله ما يشاء . وقوله : ويفعل الله ما يشاء يعني تعالى ذكره بذلك : وبيد الله الهداية والاضلال ، فلا تنكروا أيها الناس قدرته ولا اهتداء من كان منكم ضالا ولا ضلال من كان منكم مهتديا ، فإن بيده تصريف خلقه وتقليب قلوبهم ، يفعل فيها ما يشاء . القول في تأويل قوله تعالى :