محمد بن جرير الطبري
235
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
صحة قول أهل الاثبات الذين أضافوا أفعال العباد إليهم كسبا ، وإلى الله جل ثناؤه إنشاء وتدبيرا ، وفساد قول أهل القدر الذين أنكروا أن يكون لله في ذلك صنع . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، في قوله : لتخرج الناس من الظلمات إلى النور : أي من الضلالة إلى الهدى . القول في تأويل قوله تعالى : ( الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض وويل للكافرين من عذاب شديد ) اختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء المدينة والشام : الله الذي له ما في السماوات برفع اسم الله على الابتداء ، وتصيير قوله : الذي له ما في السماوات خبره . وقرأته عامة قراء أهل العراق والكوفة والبصرة : الله الذي بخفض اسم الله على اتباع ذلك العزيز الحميد وهما خفض . وقد اختلف أهل العربية في تأويله إذا قرئ كذلك ، فذكر عن أبي عمرو بن العلاء أنه كان يقرؤه بالخفض ويقول : معناه : بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد ، الذي له ما في السماوات ، ويقول : هو من المؤخر الذي معناه التقديم ، ويمثله بقول القائل : مررت بالظريف عبد الله ، والكلام الذي يوضع مكان الاسم : النعت ، ثم يجعل الاسم مكان النعت ، فيتبع إعرابه إعراب النعت الذي وضع موضع الاسم كما قال بعض الشعراء : لو كنت ذا نبل وذا شريب * ما خفت شدات الخبيث الذيب وأما الكسائي فإنه كان يقول فيما ذكر عنه من خفض أراد أن يجعله كلاما واحدا وأتبع الخفض الخفض ، وبالخفض كان يقرأه .