محمد بن جرير الطبري

211

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

الحق والهدى بخذلانه إياه ، فما له أحد يهديه لإصابتهما لان ذلك لا ينال إلا بتوفيق الله ومعونته ، وذلك بيد الله وإليه دون كل أحد سواه . القول في تأويل قوله تعالى : ( لهم عذاب في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أشق وما لهم من الله من واق ) يقول تعالى ذكره : لهؤلاء الكفار الذي وصف صفتهم في هذه السورة عذاب في الحياة الدنيا بالقتل والإسار والآفات التي يصيبهم الله بها . ولعذاب الآخرة أشق يقول : ولتعذيب الله إياهم في الدار الآخرة أشد من تعذيبه إياهم في الدنيا وأشق ، إنما هو أفعل من المشقة . وقوله : وما لهم من الله من واق يقول تعالى ذكره : وما لهؤلاء الكفار من أحد يقيهم من عذاب الله إذا عذبهم ، لا حميم ولا ولي ولا نصير ، لأنه جل جلاله لا يعاده أحد فيقهره فيخلصه من عذابه بالقهر ، ولا يشفع عنده أحد إلا بإذنه وليس يأذن لاحد في الشفاعة لمن كفر به فمات على كفره قبل التوبة منه . القول في تأويل قوله تعالى : ( مثل الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار أكلها دائم وظلها تلك عقبى الذين اتقوا وعقبى الكافرين النار ) اختلف أهل العلم بكلام العرب في رافع المثل ، فقال بعض نحوي الكوفيين الرافع للمثل قوله : تجري من تحتها الأنهار في المعنى ، وقال : هو كما تقول حلية فلان أسمر كذا وكذا ، فليس الأسمر بمرفوع بالحلية ، إنما هو ابتداء أي هو أسمر هو كذا . قال : ولو دخل أن في مثل هذا كان صوابا . قال : ومثله في الكلام مثلك أنك كذا وأنك كذا . وقوله : فلينظر الانسان إلى طعامه أنا من وجه : مثل الجنة التي وعد المتقون فيها ومن قال : أنا صببنا الماء أظهر الاسم ، لأنه مردود على الطعام بالخفض ، ومستأنف ، أي : طعامه أنا صببنا ثم فعلنا . وقال : معنى قوله : مثل الجنة : صفات الجنة . وقال بعض نحويي البصريين : معنى ذلك : صفة الجنة ، قال : ومنه قول الله تعالى : وله المثل الأعلى معناه : ولله الصفة العليا . قال : فمعنى الكلام في قوله : مثل