محمد بن جرير الطبري

133

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

السماء ، فتخرج هذه زهرتها وثمرها وشجرها وتخرج نباتها وتحيي مواتها ، وتخرج هذه سبخها وملحها وخبثها ، وكلتاهما تسقى بماء واحد ، فلو كان الماء مالحا ، قيل : إنما استسبخت هذه من قبل الماء ، كذلك الناس خلقوا من آدم ، فينزل عليهم من السماء تذكرة ، فترق قلوب فتخشع وتخضع ، وتقسو قلوب فتلهو وتسهو وتجفو . قال الحسن : والله ما جالس القرآن أحد إلا قام بزيادة أو نقصان ، قال الله : وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا . وقوله : تسقى بماء واحد اختلفت القراء في قوله تسقى ، فقرأ ذلك عامة قراء أهل المدينة والعراق من أهل الكوفة والبصرة : تسقى بالتاء ، بمعنى : تسقى الجنات والزرع والنخيل . وقد كان بعضهم يقول : إنما قيل : تسقى بالتاء لتأنيث الأعناب . وقرأ ذلك بعض المكيين والكوفيين : يسقى بالياء . وقد اختلف أهل العربية في وجه تذكيره إذا قرئ كذلك ، وإنما ذلك خبر عن الجنات والأعناب والنخيل والزرع أنها تسقى بماء واحد ، فقال بعض نحويي البصرة : إذا قرئ ذلك بالتاء ، فذلك على الأعناب كما ذكر الانعام في قوله : ما في بطونه وأنث بعد فقال : وعليها وعلى الفلك تحملون فمن قال : يسقى بالياء جعل الأعناب مما تذكر وتؤنث ، مثل الانعام . وقال : بعض نحويي الكوفة : من قال تسقى ذهب إلى تأنيث الزرع والجنات والنخيل ، ومن ذكر ذهب إلى أن ذلك كله يسقى بماء واحد ، وأكله مختلف حامض وحلو ، ففي هذا آية . وأعجب القراءتين إلي أن أقرأ بها ، قراءة من قرأ ذلك بالتاء : تسقى بماء واحد على أن معناه : تسقى الجنات والنخل والزرع بماء واحد لمجئ تسقى بعد ما قد جرى ذكرها ، وهي جماع من غير بني آدم ، وليس الوجه الآخر بممتنع على معنى يسقى ذلك بماء واحد : أي جميع ذلك يسقى بماء واحد عذب دون المالح . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا الحسن بن محمد ، قال : ثنا شبابة ، قال : ثنا ورقاء ، عن ابن أبي