محمد بن جرير الطبري

106

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

وقوله : ولدار الآخرة خير يقول تعالى ذكره : هذا فعلنا في الدنيا بأهل ولايتنا وطاعتنا ، إن عقوبتنا إذا نزلت بأهل معاصينا والشرك بنا أنجيناهم منها ، وما في الدار الآخرة لهم خير . وترك ذكر ما ذكرنا اكتفاء بدلالة قوله : ولدار الآخرة خير للذين اتقوا عليه ، وأضيفت الدار إلى الآخرة ، وهي الآخرة ، لاختلاف لفظهما ، كما قيل : إن هذا لهو حق اليقين وكما قيل : أتيتك عام الأول ، وبارحة الأولى ، وليلة الأولى ، ويوم الخميس ، وكما قال الشاعر : أتمدح فقعسا وتذم عبسا * ألا لله أمك من هجين ولو أقوت عليك ديار * عبس عرفت الذل عرفان اليقين يعني عرفانا به يقينا . فتأويل الكلام : وللدار الآخرة خير للذين اتقوا الله بأداء فرائضه واجتناب معاصيه . وقوله : أفلا تعقلون يقول : أفلا يعقل هؤلاء المشركون بالله حقيقة ما نقول لهم ونخبرهم به من سوء عاقبة الكفر ، وغب ما يصير إليه حال أهله مع ما قد عاينوا ورأوا وسمعوا مما حل بمن قبلهم من الأمم الكافرة المكذبة رسل بها . القول في تأويل قوله تعالى : ( حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجي من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين ) يقول تعالى ذكره : وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى ، فدعوا من أرسلنا إليهم ، فكذبوهم ، وردوا ما أتوا به من عند الله ، حتى إذا استيأس الرسل الذين أرسلناهم إليهم منهم أن يؤمنوا بالله ، ويصدقوهم فيما أتوهم به من عند الله ، وظن الذين أرسلناهم إليهم من الأمم المكذبة أن الرسل الذين أرسلناهم ، قد كذبوهم فيما كانوا أخبروهم عن الله من وعده إياهم نصرهم عليهم ، جاءهم نصرنا . وذلك قول جماعة من أهل التأويل . ذكر من قال ذلك :