محمد بن جرير الطبري

36

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه ، أن لا تعبدوا إلا الله ، وقل لهم إني لكم نذير مبين . ومن فتحها ، رد أن في قوله : أن لا تعبدوا عليها ، فيكون المعنى حينئذ : لقد أرسلنا نوحا إلى قومه بأني لكم نذير مبين ، بأن لا تعبدوا إلا الله . ويعني بقوله : بأن لا تعبدوا إلا الله أيها الناس ، عبادة الآلهة والأوثان وإشراكها في عبادته ، وأفردوا الله بالتوحيد وأخلصوا له العبادة ، فإنه لا شريك له في خلقه . وقوله : إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم يقول : إني أيها القوم إن لم تخصوا الله بالعبادة وتفردوه بالتوحيد وتخلعوا ما دونه من الأنداد والأوثان ، أخاف عليكم من الله عذاب يوم مؤلم عقابه وعذابه لمن عذب فيه . وجعل الأليم من صفة اليوم وهو من صفة العذاب ، إذ كان العذاب فيه كما قيل : وجعل الليل سكنا وإنما السكن من صفة ما سكن فيه دون الليل . القول في تأويل قوله تعالى : * ( فقال الملا الذين كفروا من قومه ما نراك إلا بشرا مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين ) * . يقول تعالى ذكره : فقال الكبراء من قوم نوح وأشرافهم ، وهم الملا الذين كفروا بالله وجحدوا نبوة نبيهم نوح عليه السلام : ما نراك يا نوح إلا بشرا مثلنا يعنون بذلك أنه آدمي مثلهم في الخلق والصورة والجنس ، كأنهم كانوا منكرين أن يكون الله يرسل من البشر رسولا إلى خلقه . وقوله : وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي يقول : وما نراك اتبعك إلا الذين هم سفلتنا من الناس دون الكبراء والاشراف فيما يرى ويظهر لنا . وقوله : بادي الرأي اختلفت القراء في قراءته ، فقرأته عامة قراء المدينة والعراق : بادي الرأي بغير همز البادي وبهمز الرأي ، بمعنى : ظاهر الرأي ، من قولهم : بدا الشئ يبدو : إذا ظهر ، كما قال الراجز : أضحى لخالي شبهي بادي بدي وصار للفحل لساني ويدي