محمد بن جرير الطبري

34

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

قال أبو جعفر : وهذه الأقوال متقاربة المعاني وإن اختلفت ألفاظها ، لان الإنابة إلى الله من خوف الله ، ومن الخشوع والتواضع لله بالطاعة ، والطمأنينة إليه من الخشوع له ، غير أن نفس الاخبات عند العرب الخشوع والتواضع . وقال : إلى ربهم ومعناه : أخبتوا لربهم ، وذلك أن العرب تضع اللام موضع إلى وإلى موضع اللام كثيرا ، كما قال تعالى : بأن ربك أوحى لها بمعنى : أوحى إليها . وقد يجوز أن يكون قيل ذلك كذلك ، لأنهم وصفوا بأنهم عمدوا بإخباتهم إلى الله . وقوله : أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون يقول : هؤلاء الذين هذه صفتهم هم سكان الجنة الذين لا يخرجون عنها ولا يموتون فيها ، ولكنهم فيها لابثون إلى غير نهاية . القول في تأويل قوله تعالى : * ( مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع هل يستويان مثلا أفلا تذكرون ) * . يقول تعالى ذكره : مثل فريقي الكفر والايمان كمثل الأعمى الذي لا يرى بعينه شيئا ، والأصم الذي لا يسمع شيئا فكذلك فريق الكفر لا يبصر الحق فيتبعه ويعمل به ، لشغله بكفره بالله وغلبة خذلان الله عليه ، لا يسمع داعي الله إلى الرشاد فيجيبه إلى الهدى فيهتدي به ، فهو مقيم في ضلالته ، يتردد في حيرته . والسميع والبصير ، فكذلك فريق الايمان أبصر حجج الله ، وأقر بما دلت عليه من توحيد الله والبراءة من الآلهة والأنداد ونبوة الأنبياء عليهم السلام ، وسمع داعي الله فأجابه وعمل بطاعة الله . كما : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا حجاج ، عن ابن جريج ، قال : قال ابن عباس : مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع قال : الأعمى والأصم : الكافر ، والبصير والسميع : المؤمن . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع : الفريقان الكافران ، والمؤمنان ، فأما الأعمى والأصم فالكافران ، وأما البصير والسميع فهما المؤمنان .