محمد بن جرير الطبري

32

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

ينبغي لها أن تدخل ، لأنه قد قال : فلهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون بكذبهم في غير موضع من التنزيل أدخلت فيه الباء ، وسقوطها جائز في الكلام كقولك في الكلام : لاحن بما فيك ما علمت وبما علمت ، وهذا قول قاله بعض أهل العربية . والصواب من القول في ذلك عندنا ما قاله ابن عباس وقتادة ، من أن الله وصفهم تعالى ذكره بأنهم لا يستطيعون أيسمعوا الحق سماع منتفع ، ولا يبصرونه إبصار مهتد ، لاشتغالهم بالكفر الذي كانوا عليه مقيمين ، عن استعمال جوارحهم في طاعة الله ، وقد كانت لهم أسماع وأبصار . القول في تأويل قوله تعالى : * ( أولئك الذين خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون ) * . يقول تعالى ذكره : هؤلاء الذين هذه صفتهم ، هم الذين غبنوا أنفسهم حظوظها من رحمة الله . وضل عنهم ما كانوا يفترون وبطل كذبهم وإفكهم وفريتهم على الله بادعائهم له شركاء ، فسلك ما كانوا يدعونه إلها من دون الله غير مسلكهم ، وأخذ طريقا غير طريقهم ، فضل عنهم ، لأنه سلك بهم إلى جهنم ، وصارت آلتهم عدما لا شئ ، لأنها كانت في الدنيا حجارة أو خشبا أو نحاسا ، أو كان لله وليا ، فسلك به إلى الجنة ، وذلك أيضا غير مسلكهم ، وذلك أيضا ضلال عنهم . القول في تأويل قوله تعالى : * ( لا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون ) * . يقول تعالى ذكره : حقا أن هؤلاء القوم الذين هذه صفتهم في الدنيا في الآخرة هم الأخسرون ، الذين قد باعوا منازلهم من الجنان بمنازل أهل الجنة من النار وذلك هو الخسران المبين . وقد بينا فيما مضى أن معنى قولهم ، جرمت : كسبت الذنب وأجرمته ، أن العرب كثر استعمالها إياه في مواضع الايمان ، وفي مواضع لا بد كقولهم : لا جرم أنك ذاهب ، بمعنى : لا بد ، حتى استعملوا ذلك في مواضع التحقيق فقالوا : لا جرم ليقومن ، بمعنى : حقا ليقومن ، فمعنى الكلام : لا منع عن أنهم ، ولا صد عن أنهم . القول في تأويل قوله تعالى :