محمد بن جرير الطبري
4
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
الغيب والشهادة يقول : ثم ترجعون بعد مماتكم إلى عالم الغيب والشهادة يعني الذي يعلم السر والعلانية الذي لا يخفى عليه بواطن أموركم وظواهرها . فينبئكم بما كنتم تعلمون فيخبركم بأعمالكم كلها سيئها وحسنها ، فيجازيكم بها الحسن منها بالحسن والسيئ منها بالسيئ . القول في تأويل قوله تعالى : * ( سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون ) * . يقول تعالى ذكره : سيحلف أيها المؤمنون بالله لكم هؤلاء المنافقون الذين فرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله ، إذا انقلبتم إليهم يعني : إذا انصرفتم إليهم من غزوكم ، لتعرضوا عنهم فلا تؤنبوهم . فأعرضوا عنهم يقول جل ثناؤه للمؤمنين : فدعوا تأنيبهم وخلوهم ، وما اختاروا لأنفسهم من الكفر والنفاق . إنهم رجس ومأواهم جهنم يقول : إنهم نجس ومأواهم جهنم ، يقول : ومصيرهم إلى جهنم وهي مسكنهم الذي يأوونه في الآخرة . جزاء بما كانوا يكسبون يقول : ثوابا بأعمالهم التي كانوا يعملونها في الدنيا من معاصي الله . وذكر أن هذه الآية نزلت في رجلين من المنافقين قالا ما : حدثنا به محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، قوله : سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا . . . إلى : بما كانوا يكسبون وذلك أن رسول الله ( ص ) قيل له : ألا تغزو بني الأصفر لعلك أن تصيب بنت عظيم الروم ، فإنهم حسان فقال رجلان : قد علمت يا رسول الله أن النساء فتنة ، فلا تفتنا بهن ، فأذن لنا فأذن لهما فلما انطلقا ، قال أحدهما : إن هو إلا شحمة لأول آكل . فسار رسول الله ( ص ) ، ولم ينزل عليه في ذلك شئ ، فلما كان ببعض الطريق نزل عليه وهو على بعض المياه : لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة ، ونزل عليه : عفا الله عنك لم أذنت لهم ، ونزل عليه : لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر ، ونزل عليه : إنهم رجس ومأواهم جهنم جزاء بما