محمد بن جرير الطبري

36

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

وأسلما ، وأما أبو عامر فتنصر وأقام . قال : وبنى ناس من المنافقين مسجد الضرار لأبي عامر ، قالوا : حتى يأتي أبو عامر يصلي فيه وتفريقا بين المؤمنين يفرقون بين جماعتهم لأنهم كانوا يصلون جميعا في مسجد قباء . وجاءوا يخدعون النبي ( ص ) فقالوا : يا رسول الله ربما جاء السيل يقطع بيننا وبين الوادي ويحول بيننا وبين القوم فنصلي في مسجدنا فإذا ذهب السيل صلينا معهم قال : وبنوه على النفاق . قال : وأنهار مسجدهم على عهد رسول الله ( ص ) . قال : وألقى الناس عليه النتن والقمامة . فأنزل الله : والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين لئلا يصلي في مسجد قباء جميع المؤمنين ، وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل أبي عامر ، وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا هارون ، عن أبي جعفر ، عن ليث : أن شقيقا لم يدرك الصلاة في مسجد بني عامر ، فقيل له : مسجد بني فلان لم يصلوا بعد فقال : لا أحب أصلي فيه فإنه بني على ضرار ، وكل مسجد بني ضرارا أو رياء أو سمعة فإن أصله ينتهي إلى المسجد الذي بني على ضرار . القول في تأويل قوله تعالى : * ( لا تقم فيه أبدا لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين ) * . يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ( ص ) : لا تقم يا محمد في المسجد الذي بناه هؤلاء المنافقون ضرارا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله . ثم أقسم جل ثناؤه فقال : لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم أنت فيه . يعني بقوله : أسس على التقوى ابتدئ أساسه وأصله على تقوى الله وطاعته من أول يوم ابتدئ في بنائه أحق أن تقوم فيه يقول : أولى أن تقوم فيه مصليا . وقيل : معنى قوله : من أول يوم مبدأ أول يوم كما تقول العرب : لم أره من يوم كذا ، بمعنى مبدؤه ، ومن أول يوم يراد به من أول الأيام ، كقول القائل : لقيت كل رجل ، بمعنى كل الرجال . واختلف أهل التأويل في المسجد الذي عناه : لمسجد أسس على التقوى من أول يوم فقال بعضهم : هو مسجد رسول الله ( ص ) الذي فيه منبره وقبره اليوم . ذكر من قال ذلك :